تُعتَبَرُ الكفاءةُ في الدِّينِ، فلا يكونُ الفاجِرُ والفاسِقُ كُفئًا لعفيفةٍ، وهذا باتِّفاقِ المَذاهِبِ الفِقهيَّةِ الأربَعةِ: الحَنَفيَّةِ [669]     ((البناية شرح الهداية)) للعيني (5/114)، ((حاشية ابن عابدين)) (3/88). ، والمالِكيَّةِ [670]     ((الشرح الكبير)) للدردير(2/249)، ((منح الجليل)) لعليش (3/323). ، والشَّافعيَّةِ [671]     ((منهاج الطالبين)) للنووي (ص: 209)، ((مغني المحتاج)) للشربيني (3/166). ، والحنابِلةِ [672]     ((الإقناع)) للحجاوي (3/179)، ((كشاف القناع)) للبهوتي (5/67). .وذلك للآتي: أوَّلًا: لأنَّ الفاسقَ مرذولٌ مردودُ الشَّهادةِ والرِّوايةِ [673]     ((الكافي في فقه الإمام أحمد)) لابن قُدامة (3/22)، ((الشرح الكبير)) لشمس الدِّين ابن قُدامة (20/261). . ثانيًا: لأنَّ الفاسقَ غيرُ مأمونٍ على النفْسِ والمالِ [674]     ((الكافي في فقه الإمام أحمد)) لابن قُدامة (3/22)، ((الشرح الكبير)) لشمس الدِّين ابن قُدامة (20/261). . ثالثًا: لأنَّ الفاسِقَ مَسلوبُ الوِلاياتِ، ناقصٌ عِندَ اللهِ سبحانَه وعِندَ خَلْقِه؛ فلا يكونُ كُفئًا للعَفيفةِ [675]     ((العُدَّة شرح العمدة)) لبهاء الدِّين المقدسي (ص: 396). . انظر أيضا: المَطلبُ الثَّاني: من الكَفاءةُ في النِّكاحِ: الكَفاءةُ في النَّسَبِ. المَطلبُ الثَّالثُ: من الكَفاءةُ في النِّكاحِ: الكَفاءةُ في المالِ. المَطلبُ الرَّابِعُ: من الكَفاءةُ في النِّكاحِ: الكَفاءةُ في الصِّناعةِ والحِرفةِ.

لا تُشتَرَطُ الكَفاءةُ في النَّسَبِ، وهذا مذهَبُ المالِكيَّةِ [676]     عند المالكيَّةِ تُندَبُ الكَفاءةُ في النَّسَبِ. ((الشرح الكبير)) للدردير (2/249)، ((منح الجليل)) لعليش (3/323). ، وهو قَولُ الكَرخيِّ مِن الحَنَفيَّةِ [677]     قال السرخسي: (يُحكَى عن الكَرخيِّ -رحمه الله تعالى- أنَّه كان يقولُ: الأصَحُّ عندي ألَّا تُعتبَرَ الكفاءةُ في النِّكاحِ أصلًا؛ لأنَّ الكفاءةَ غَيرُ مُعتَبَرةٍ فيما هو أهَمُّ من النِّكاحِ، وهو الدِّماءُ). ((المبسوط)) (5/40). وقال ابن عبد البر: (كان أبو الحسَنِ الكرخي من بين أصحابِ أبي حنيفة يخالِفُ أصحابَه في الكفاءةِ ويقولُ: الكفاءةُ في الأنفُسِ كالقِصاصِ). ((التمهيد)) (19/163). ، وقَولُ طائفةٍ مِن السَّلَفِ [678]     قال ابن حجر: (جزم بأنَّ اعتبارَ الكفاءةِ مختَصٌّ بالدِّينِ: مالِكٌ، ونُقِلَ عن ابن عمر، وابن مسعود، ومن التابعين عن محمد بن سيرين، وعمر بن عبد العزيز). ((فتح الباري)) (9/132). وقال الكاساني: (هو قَولُ مالك، وسفيان الثوري، والحسن البصري). ((بدائع الصنائع)) (2/317). ، واختيارُ ابنِ تيميةَ [679]     قال ابن تيمية: (ليس عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نصٌّ صَحيحٌ صَريحٌ في هذه الأمورِ، بل قد قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «إنَّ الله أذهَبَ عنكم عُبِّيَّةَ الجاهليَّةِ وفَخرَها بالآباءِ، النَّاسُ رجلانِ: مُؤمِنٌ تَقيٌّ، وفاجِرٌ شَقيٌّ»، وفي صحيح مسلم عنه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنه قال: «أربَعٌ في أمَّتي من أمرِ الجاهليَّةِ لا يتركونَهنَّ: الفَخرُ بالأحسابِ، والطَّعنُ في الأنسابِ، والنياحةُ، والاستِسقاءُ بالنُّجومِ»). ((مجموع الفتاوى)) (19/29). ، وابنِ القَيِّمِ [680]     قال ابنُ القيِّم: (فالذي يقتضيه حُكمُه صلى الله عليه وسلَّم اعتبارُ الدِّينِ في الكفاءةِ أصلًا وكمالًا، فلا تُزَوَّجُ مُسلِمةٌ بكافرٍ، ولا عفيفةٌ بفاجرٍ، ولم يَعتبرِ القرآنُ والسُّنَّةُ في الكفاءةِ أمرًا وراء ذلك؛ فإنَّه حَرَّم على المسلمةِ نِكاحَ الزَّاني الخبيثِ، ولم يعتبرْ نَسَبًا ولا صناعةً، ولا غِنًى ولا حريَّةً). ((زاد المعاد)) (5/145). ، والشَّوكانيِّ [681]     قال الشوكاني: (المعتبَرُ هو الكفاءةُ في الدِّينِ والخُلُقِ لا في النَّسَبِ). ((السيل الجرار)) (ص: 377). ، وابنِ باز [682]     قال ابن باز: (أهلُ السُّنَّةِ يُفضِّلونَ العرَبَ مِن جهةِ النَّسَبِ على غيرهم، والعُمدةُ على التقوى، والصَّحيحُ عَدَمُ اشتراطِ الكفاءةِ). ((الحلل الإبريزية من التعليقات البازية على صحيح البخاري)) (3/68). ، وابنِ عثيمينَ [683]     قال ابن عثيمين: (النَّسَبُ ليس شرطًا في صحَّةِ النِّكاحِ، وعلى هذا فيجوزُ أن نزوِّجَ امرأةً قبيليَّةً من إنسانٍ غيرِ قبيليٍّ). ((الشرح الممتع)) (12/101). ، وبه أفتت اللَّجنةُ الدَّائِمةُ [684]     جاء في فتاوى اللجنة الدائمة: (الصحيحُ: أنَّ المعتبَرَ في النِّكاح الكفاءةُ في الدِّينِ لا في النَّسَبِ). ((فتاوى اللجنة الدائمة - المجموعة الأولى)) (18/186). .الأدِلَّةُ:أوَّلًا: مِنَ الكِتابِقَولُه تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات: 13].وَجهُ الدَّلالةِ:في الآيةِ دَلالةٌ على أنَّ التَّفاضُلَ بين النَّاسِ بالتقوى، وهي مِنَ الدِّينِ؛ فدَلَّ على أنَّ الكَفاءةَ في الدِّينِ لا في النَّسَبِ [685]     ((تفسير ابن كثير)) (7/363). .ثانيًا: مِنَ السُّنَّة1- عن فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ رضي الله عنها ((أنَّ أبا عَمرِو بنَ حَفصٍ طلَّقَها البتَّةَ وهو غائِبٌ -وفي روايةٍ: طلَّقَها ثلاثًا- فأرسل إليها وكيلَه بشَعيرٍ، فسَخِطَتْه. فقال: واللهِ ما لك علينا مِن شَيءٍ. فجاءت رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فذكَرَت ذلك له، فقال: ليس لكِ عليه نفَقةٌ -وفي لفظٍ: ولا سُكنى- فأمرها أن تعتَدَّ في بيتِ أمِّ شَريكٍ، ثمَّ قال: تلك امرأةٌ يغشاها أصحابي، اعتَدِّي عندَ ابنِ أمِّ مَكتومٍ؛ فإنَّه رجلٌ أعمى، تَضَعين ثيابَكِ، فإذا حَلَلْتِ فآذِنيني. قالت: فلمَّا حَلَلْتُ ذكَرْتُ له أنَّ مُعاويةَ بنَ أبي سُفَيانَ وأبا جَهمٍ خَطَباني، فقال رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أمَّا أبو جهمٍ فلا يضَعُ عَصاه عن عاتِقِه، وأمَّا معاويةُ فصُعلوكٌ لا مالَ له، انكِحي أُسامةَ بنَ زَيدٍ، فكَرِهتُه، ثمَّ قال: انكِحي أُسامةَ بنَ زَيدٍ، فنَكَحتُه، فجعَلَ اللهُ فيه خيرًا واغتبَطْتُ به)) [686]     رواه مسلم (1480). .وَجهُ الدَّلالةِ:في قَولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: ((انكِحي أُسامةَ بنَ زيدٍ)) دليلٌ على عدَمِ اعتبارِ الكَفاءةِ في النَّسَبِ، وإنَّما اعتُبِرَ الدِّينُ أصلًا وكمالًا [687]     ((رياض الأفهام)) للفاكهاني (4/701)، ((زاد المعاد)) لابن القيم (5/145). .2- عن عائشةَ: ((أنَّ أبا حُذَيفةَ بنَ عُتبةَ بنِ رَبيعةَ بنِ عَبدِ شَمسٍ القُرَشيَّ -وكان ممَّن شَهِدَ بَدرًا مع النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- تبنَّى سالِمًا وأنكَحَه بِنتَ أخيه هِندَ بنتَ الوليدِ بنِ عُتبةَ بنِ رَبيعةَ، وهو مولًى، لامرأةٍ مِن الأنصارِ)) [688]     أخرجه البخاري (4000). .ثالثًا: لأنَّه لم يَرِدْ عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نَصٌّ صَحيحٌ صَريحٌ في اشتراطِ الكفاءةِ في النَّسَبِ [689]     ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (19/28). . انظر أيضا: المَطلبُ الأوَّلُ: من الكَفاءةُ في النِّكاحِ: الكَفاءةُ في الدِّينِ. المَطلبُ الثَّالثُ: من الكَفاءةُ في النِّكاحِ: الكَفاءةُ في المالِ. المَطلبُ الرَّابِعُ: من الكَفاءةُ في النِّكاحِ: الكَفاءةُ في الصِّناعةِ والحِرفةِ.