المطلب الأوَّل: الرِّيحلا يجِبُ الاستنجاءُ مِن الرِّيح، وهذا باتِّفاقِ المَذاهِبِ الفِقهيَّةِ الأربَعةِ: الحنفيَّة ((البحر الرائق)) لابن نجيم (1/252)، وينظر: ((بدائع الصنائع)) للكاساني (1/19). ، والمالكيَّة ((مواهب الجليل)) للحطاب (1/150)، وينظر: ((شرح مختصر خليل)) للخرشي (1/149). ، والشافعية ((المجموع)) (2/96)، وينظر: ((الحاوي الكبير)) للماوردي (1/160). ، والحنابلة ((الإنصاف)) للمرداوي (1/90-91)، وينظر: ((المغني)) لابن قدامة (1/111). ، وحُكِيَ الإجماعُ على ذلك قال ابن قدامة: (وليس على من نام أو خرجت منه ريحٌ استنجاءٌ، ولا نعلم في هذا خلافًا) ((المغني)) (1/111). وقال النووي: (أجمَعَ العُلَماءُ أنَّه لا يَجِبُ الاستنجاءُ مِن الرِّيح) ((المجموع)) (2/96). لكن قال المرداوي: (قوله: "إلَّا الرِّيح" يعني لا يجِبُ الاستنجاء له، وهذا المذهب، نصَّ عليه الأصحابُ، وقيل: يجب الاستنجاءُ له، قاله في الفائق وأوجبه حنابلة الشام... قلت: لم نطَّلِعْ على كلام أحدٍ من الأصحابِ بِعَينِه ممَّن سكن الشامَ وبلادَها قال ذلك) ((الإنصاف)) (1/90-91). . وذلك، لأنَّ الأصلَ عَدمُ الوُجوبِ حتى يوجَدَ دليلٌ من كتابٍ أو سنةٍ أو إجماعٍ على مشروعيَّةِ الاستنجاءِ، ولم يُنقَل أنَّ الرَّسولَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم استنجى من الرِّيحِ، ولا صحابَتُه الكِرامُ رَضِيَ اللهُ عنهم، ولا أنَّه أمَر بالاستنجاءِ منها، وهذا كافٍ في عَدمِ المشروعيَّة قال الإمام أحمد: ليس في الرِّيحِ استنجاءٌ، في كتابِ الله ولا في سُنَّة رسوله. ((كشاف القناع)) للبهوتي (1/70). .المطلب الثَّاني: الخارِجُ الطاهر الناشِفُ كالحصاةلا يجِبُ الاستنجاءُ مِن الخارج الطاهرِ النَّاشِفِ غيرِ الملوَّثِ كالحصاة، وهذا مَذهَبُ الجُمهورِ: الحنفيَّة ((حاشية ابن عابدين)) (1/335) ، والمالكيَّة ((مواهب الجليل)) للحطَّاب (1/411)، ((حاشية الدسوقي)) (1/115). ، والشافعيَّة ((المجموع)) للنووي (2/96)، ((نهاية المحتاج)) للرملي (1/152). ، وهو قَولُ بَعضِ الحنابلة ((كشاف القناع)) للبهوتي (1/70)، ((الإنصاف)) للمرداوي (1/90). .وذلك للآتي:أولًا: أنَّ الاستنجاءَ إنَّما هو لإزالة الخارِجِ النَّجِسِ، ولا نجاسةَ هنا يُطلَبُ إزالَتُها، فلا معنى له ((حاشية ابن عابدين)) (1/335)، ((مواهب الجليل)) للحطاب (1/411), ((مغني المحتاج)) للشربيني (1/46). .ثانيًا: أنَّ البلَّةَ إن لوَّثت المحلَّ، فالاستنجاءُ يكون للنَّجاسةِ، لا للحصاةِ ونَحوِها ((حاشية ابن عابدين)) (1/335)، ((الاستذكار)) لابن عبدِ البَرِّ (1/157)، ((مواهب الجليل)) للحطاب (1/411), ((مغني المحتاج)) للشربيني (1/46)، ((نهاية المحتاج)) للرملي (1/152). . انظر أيضا: المبحث الأوَّل: الخارج النَّجس. المبحث الثَّالث: الحدَث الدائم. المبحث الرَّابع: النَّوم. المبحث الخامس: حُكم التَّرتيب بين الاستنجاء والوضوء.

المطلب الأوَّل: وجوبُ التحفُّظِ مِن النَّجاسةِيجِبُ تحفُّظُ أصحابِ الحدَثِ الدَّائِمِ مِن النَّجاسةِ فالمُستحاضةُ تحتشي أو تعصِبُ فرْجَها، والمبتلَى بسَلَس البَولِ وكثرة المذي يعصِبُ رأس ذَكَره بخِرقةٍ ويحتَرِسُ حَسَبما أمكَنَه، وكذلك مَن به جُرحٌ أو رِيح أو نحوه من الأحداثِ، فإنْ كان ممَّا لا يمكِنُ عَصْبُه كالجُرح الذي لا يمكن شدُّه، أو من به باسورٌ أو ناصور لا يمكن عصبُه، صلَّى على حَسَب حاله. ((البحر الرائق)) لابن نجيم (1/227)، ((مغني المحتاج)) للشربيني (1/111). ، وهو مَذهَبُ الجُمهورِ: الحنفيَّة ((البحر الرائق)) لابن نجيم (1/227)، وينظر: ((فتح القدير)) للكمال ابن الهمام (1/185). ، والشافعيَّة ((المجموع)) للنووي (2/533)، ((مغني المحتاج)) للشربيني (1/111). ، والحنابلة ((الإنصاف)) للمرداوي (1/269)، وينظر: ((الشرح الكبير)) لابن قدامة (1/354). .الأدلَّة:أولًا: مِن السُّنَّةِعن حَمنةَ بنتِ جَحشٍ رَضِيَ اللهُ عنها، أنَّها قالت: ((يا رسولَ الله: إنِّي أُستحاضُ حيضةً كبيرةً شديدةً؛ فما ترى فيها، قدْ منعَتني الصَّلاةَ والصِّيامَ؟ فقال: أنعَتُ لك الكُرْسُفَ أنعَتُ لك الكُرْسُفَ: أي: أصفُ لك استعمالَ القُطنِ تَضعينَه على الفرْجِ، فإنَّه يُذهِبُ الدَّمَ. ((الصحاح)) للجوهري (4/1421)، ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (11/323). )) رواه أبو داود (287)، والترمذي (128)، وابن ماجه (622)، وأحمد (27514). قال الإمام أحمد والبخاريُّ والترمذيُّ كما في ((سنن الترمذي)) (128): حسن صحيح، وصححه النووي في ((المجموع)) (2/533)، وقال محمَّد ابن عبد الهادي في ((المحرر)) (81): صحَّحه أحمد بن حنبل، وحسَّنه البخاري، وقال الدارقطني: تفرَّد به ابن عقيل وليس بقوي، ووهَّنه أبو حاتم، وقال ابن القيِّم ((تهذيب السنن)) (1/475): هذا الحديث مداره على ابن عَقيل، وهو عبد الله بن محمَّد بن عقيل، ثِقة صدوق، لم يتكلَّم فيه بجرح أصلًا، وكان الإمام أحمد وعبد الله بن الزُّبير الحُميدي وإسحاق بن راهويه يحتجُّون بحديثه، وحسَّنه الألباني في ((صحيح سنن الترمذي)) (128). .ثانيًا: أنَّ في ذلك دفعًا للنَّجاسةِ وتقليلًا لها، وهو واجبٌ ما أمكَنَ ((المجموع)) للنووي (2/533). .المطلب الثَّاني: الاستنجاءُ عند دُخولِ وَقتِ كلِّ صلاةٍمَن به حدثٌ دائمٌ كالاستحاضةِ، أو سَلَسِ البولِ؛ فإنَّه لا يَلزَمُه أن يستنجِيَ منه لكلِّ صلاةٍ، وهو مذهَبُ المالكيَّة ((مواهب الجليل)) للحطاب (1/205)، ((حاشية العدوي)) (1/136). ، وقولٌ للشَّافعيَّة ((مغني المحتاج)) للشربيني (1/112). ، وروايةٌ عن أحمد ((فتح الباري)) لابن رجب (1/446). ، واختاره ابنُ رَجب قال ابن رجب: (وكذلك اختلفوا؛ هل يجِبُ عليها غَسلُ الدَّم والتحفُّظ والتلجُّمِ عند كلِّ صلاة؟ فيه قولان: هما روايتان عن أحمد، وربما يرجِعُ هذا الاختلاف إلى الاختلاف المشهور: في أنَّ الأمرَ المُطلَق: هل يقتضي التَّكرارَ، أم لا؟ وفيه اختلافٌ مشهور، لكنَّ الأصحَّ هنا أنه لا يقتضي التَّكرارَ لكلِّ صلاةٍ؛ فإنَّ الأمرَ بالاغتسالِ وغَسلِ الدَّمِ، إنما مُعلَّقٌ بانقضاءِ الحَيضة وإدبارِها، فإذا قيل: إنَّه يَقتضي التَّكرارَ، فالجواب أنَّه لم يقتضِه إلَّا عند إدبارِ كلِّ حيضةٍ فقط). ((فتح الباري)) (1/446). .وذلك للآتي:أولًا: أنَّه لا معنى للأمرِ بإزالة النَّجاسةِ مع استمرارِها ((مغني المحتاج)) للشربيني (1/112). .ثانيًا: أنَّه سقط اعتبارُ حدَثِها لِمكانِ العُذرِ ((حاشية الطحطاوي)) (ص: 99). .ثالثًا: دفعًا للحَرَج لِعَدمِ إمكانِ التحرُّزِ منه ((حاشية الطحطاوي)) (ص: 99)، ((كشاف القناع)) للبهوتي (1/215). . انظر أيضا: المبحث الأوَّل: الخارج النَّجس. المبحث الثَّاني: الخارج الطاهر. المبحث الرَّابع: النَّوم. المبحث الخامس: حُكم التَّرتيب بين الاستنجاء والوضوء.

لا يُشرَعُ الاستنجاءُ مِن النَّوم، وهذا باتِّفاقِ المَذاهِبِ الفِقهيَّةِ الأربَعةِ: الحنفيَّة ((حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح)) (1/29)، وينظر: ((مجمع الأنهر)) لشيخي زاده (1/97). ، والمالكيَّة ((حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني)) (1/178،182) وينظر: ((الفواكه الدواني)) للنفراوي (1/380). ، والشَّافعية ((المجموع)) (2/96)، وينظر: ((الحاوي الكبير)) للماوردي (1/198) ، والحنابلة ((تصحيح الفروع)) للمرداوي (1/136-137)، وينظر: ((المغني)) لابن قدامة (1/111). ، وحُكِيَ الإجماعُ على ذلك قال ابن قدامة: (وليس على من نام أو خرجت منه ريح استنجاء ولا نعلم في هذا خلافًا) ((المغني)) (1/111). قال النووي: (أجمَعَ العُلَماءُ أنَّه لا يجِبُ الاستنجاءُ مِن الرِّيحِ والنَّومِ). ((المجموع)) (2/96). لكن خالف بعضُ الحنابلةِ في ذلك. يُنظر: ((الفروع)) لابن مفلح (1/137)، ((الإنصاف)) للمرداوي (1/90-91). . الأدلَّة: أوَّلًا: من الكتابقوله تعالى: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة: 6]. وجه الدَّلالة:أي: إذا قُمتُم مِن النَّوم، ولم يأمُر بِغَيرِ الوُضوءِ، فدلَّ على أن الاستنجاءَ لا يَجِبُ ((المغني)) لابن قدامة (1/111). .ثانيًا: لم يَرِدْ نَصٌّ بالاستنجاءِ مِن النوم، ولا هو في معنى المنصوصِ عليه ((المغني)) لابن قدامة (1/111). . ثالثًا: أن الاستنجاءَ إنَّما شُرِعَ لإزالةِ النَّجاسة، ولا نجاسةَ هاهنا ((المغني)) لابن قدامة (1/111). . انظر أيضا: المبحث الأوَّل: الخارج النَّجس. المبحث الثَّاني: الخارج الطاهر. المبحث الثَّالث: الحدَث الدائم. المبحث الخامس: حُكم التَّرتيب بين الاستنجاء والوضوء.

يصحُّ الوضوءُ قبل الاستنجاءِ ولكن الأَولى أن يقدِّمَ الاستنجاءَ على الوُضوءِ. ، وهذا مَذهَبُ الجُمهورِ: الحنفيَّة الاستنجاءُ عند الحنفيَّة مِن سُنَنِ الوضوء. ((حاشية ابن عابدين)) (1/108)، وينظر: ((المحيط البرهاني )) لابن مازة (1/43). ، والمالكيَّة ((حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني)) (1/172). ، والشافعيَّة ((المجموع)) للنووي (2/97). ، وروايةٌ عن أحمد ((المغني)) لابن قدامة (1/82)، ((الشرح الكبير)) لشمس الدين ابن قدامة (1/99)، وقالا: إنَّها الأصحُّ. .وذلك للآتي:أوَّلًا: عدمُ الدَّليلِ على اشتراطِ التَّرتيب ((حاشية العدوي)) (1/172). . ثانيًا: أنَّ شرْط الصَّلاةِ في إزالة النَّجاسةِ لا يُشتَرَط أن يكون قبل الوضوءِ، فلو كان على بَطنِه نجاسةٌ فأزالها بعد الوضوءِ صحَّ، فكذلك النَّجاسةُ التي على السَّبيلينِ ((المغني)) لابن قدامة (1/82). .ثالثًا: أنَّ المقصودَ مِن طهارةِ الخَبَث زوالُ النَّجاسة؛ فمتى ما زالت زال حُكمُها ولا عَلاقة لها بالحَدَث ((شرح رياض الصالحين)) لابن عثيمين (1/363). . انظر أيضا: المبحث الأوَّل: الخارج النَّجس. المبحث الثَّاني: الخارج الطاهر. المبحث الثَّالث: الحدَث الدائم. المبحث الرَّابع: النَّوم.