شرح تنقيح الفصول

عدد الزوار 255 التاريخ 15/08/2020

 
الكتاب: شرح تنقيح الفصول
المؤلف: أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن المالكي الشهير بالقرافي (المتوفى: 684هـ)
عدد الأجزاء: 1
الباب الأول في الاصطلاحات
وفيه عشرون فصلاً
الفصل الأول في الحد
الحد: هو شرح ما دل عليه اللفظ بطريق الإجمال.
إنما بدأت بالحد في هذا الكتاب؛ لأن العلم إما تصور أو تصديق، والتصديق مسبوق بالتصور، فكان التصور وضعه أن يكون قبل التصديق والتصور إنما يكتسب بالحد كما أن التصديق لا يكتسب إلا بالبرهان، فكان الحد متقدماً على التصور المتقدم على التصديق، فالحد قبل الكل طبعاً، فوجب أن يقدم وضعاً: فلذلك تعين تقديم الحد أول الكل، وهذا السبب أيضاً في تقديم الباب الأول في الاصطلاحات؛ فإن الاصطلاحات هي الألفاظ الموضوعة للحقائق، واللفظ هو المفيد للمعنى عند التخاطب، والمفيد قبل المفاد، فاللفظ ومباحثه متقدمة طبعاً، فوجب أن تتقدم وضعاً.
فإن الغزالي في مقدمة المستصفي (1) : أخلف الناس في حد الحد فقيل: حد الشيء هو نفسه وذاته، وقيل: هو اللفظ المفسر لمعناه على وجه يجمع ويمنع. فقال ثالث. تصير حينئذ هذه المسألة مسألة خلاف، وليس الأمر كما قال هذا الثالث؛ فإن القائلين الأولين لم يتواردا على محل واحد، بل الأول اسم الحد
_________
(1) أنظر المستصفي ص 31 - 32 طبعة مكتبة الجندي، وإن كان المعنى واحداً فإن التعبير مختلف.
(1/4)
 
 
عنده موضوع لمدلول لفظ الحد، والثاني: اسم الحد عنده موضوع للفظ نفسه، ومتى كان المعنى مختلفاً لم يتوارد فلا خلاف بينهما. . قال: والمختار عندي أن الشيء له في الوجود أربع رتب - حقيقة في نفسه وثبوت مثاله في الذهن ويعبر عنه بالعلم التصوري. الثالث: تأليف أصوات بحروف تدل عليه وهي العبارة الدالة على المثال الذي في النفس. الرابع: تأليف رقوم تدرك بحاسبة البصر دالة على اللفظ وهي الكتابة، والكتابة تبع اللفظ إذ تدل عليه، واللفظ تبع للعلم، والعلم تبع للمعلوم. فهذه الأربعة متطابقة متوازية، إلا أن الأولين وجوديان حقيقيان لا يختلفان في الأعصار والأمم، والآخرين وهما اللفظ والكتابة يختلفان في الأعصار والأمم لأنهما موضوعان بالاختيار. والحد مأخوذ من المنع، وإنما أستعبر لهذه المعاني لمشابهتها في معنى المنع.
قلت ومنه سمي السجان حداداً لأنه يمنع المعتقل من الخروج من السجن، وسميت الحدود حدوداً لأنها تمنع الجناة من العودة إلى الجنايات.
قال: فانظر أين تجد المشابهة في هذه الأربعة، فإذا ابتدأت بالحقيقة لم تشك في أنها حاضرة للشيء بخصوصه، لأنه حقيقة كل شيء ليست لغيره وثابتة له فهي جامعة مانعة، وإذا نظرت إلى الصورة الذهنية وجدتها أيضاً كذلك والعبارة أيضاً كذلك لأنها مطابقة للعلم المطابق للحقيقة والمطابق للمطابق مطابق، والكتابة مطابقة للفظ المطابق فهي مطابقة، فقد وجدنا المنع والجمع في الكل، غير أن العادة لم تجر بإطلاق اسم الحد على الكتابة ولا على العلم، بل اللفظ والحقيقة فقط؛ فاللفظ مشترك بينهما، وكل واحد منهما يسمى حداً، واللفظ المشترك لا بد لكل مسمى من مسمياته من حد يخصه، فمن حد المعنى الأول قال القول الشارح: ومن حد الثاني قال حقيقة الشيء ونفسه. قلت: قال غيره لكل حقيقة أربع وجودات: وجود في الأعيان ووجود في الأذهان ووجود في البيان ووجود في البنان. يريد الأربعة المتقدمة.
مسألة: قال هل يجوز أن يكون للشيء الواحد حدان؟ قال أما اللفظي والرسمي فلا ينضبط عددهما لإمكان تعدد اللفظ الدال على الشيء وجواز تعدد
(1/5)
 
 
لوازم الشيء، فمن كل لازم رسم، ومن كل لفظ يؤلف دلالة. قلت: ومعنى قولنا في حد الحد: إنه شرح ما دل عليه اللفظ، نعني باللفظ لفظ السائل، فإنه إذا قال: ما حقيقة الإنسان؟ فقلنا له هو الحيوان الناطق، فهو إن كان عالماً بالحيوان وبالناطق فهو عالم بالإنسان وإنما سمع لفظ الإنسان ولم يعلم مسماه وعلم أن له مسمى غير معنى؟
فبسطنا له نحن ذلك المسمى المجهول وقلنا له: هو الحيوان الناطق فصال مفصلاً ما كان عنده مجملاً بالنظر إلى اللفظ لا بالنسبة إلى مسمى اللفظ في نفسه، ولا بالنسبة إلى الحقيقة، وإن فرضناه جاهلاً بحقيقة الإنسان فقد حددنا له بما هو مجهول عنده، فوجب حينئذ أن يكون حدنا باطلاً، لأن التحديد بالمجهول لا يصح، لكنه صحيح فدل ذلك على أنه كان عالماً بالحقيقة، فما أفاده حينئذ أن يكون حدنا باطلاً، لأن التحديد بالمجهول لا يصح، لكنه صحيح فدل ذلك على أنه كان عالماً بالحقيقة، فما أفاده حينئذ لفظنا إلا بيان نسبة اللفظ إلى المعنى الذي يسأل عنه. .
فإن قلت: هل يتصور أن يكتسب بالحد حقيقة مجهولة فإن ما ذكرته يمنع من ذلك؟ قلت: لا شك أن من لم يعرف الحبر قط إذا سأل عنه يمكننا أن نقول له: هل تعرف الزاج
والعفص والسواد والماء؟ (1) فيقول: نعم، فنقول له: اعلم أنه عبارة عن ماء العفص والزاج يجمع بينهما فيحدث حينئذ السواد، فهذا هو الحبر؛ فيئول الحال إلى تعريف الهيئة الاجتماعية من هذه البسائط المعلومة له، أما تعرفه بما يجهله فلا سبيل إليه، والهيئة الاجتماعية وقعت في نفسه بعد أن كانت مجهولة، بخلاف المثال المتقدم في الإنسان، ومع هذا فلا تخرج من هذه الصورة عن الحد المتقدم، وإنما شرحنا ما كان مجملاً بألفاظ بسائط الزاج وغيره.
وهو غير المحدود إن أريد به اللفظ وعينه إن أريد به المعنى.
هذا هو إشارة على القولين المتقدمين اللذين حكاهما الغزالي، ولا شك أن لفظ الحيوان والناطق الذي وقع في التحديد هو غير الإنسان، ومدلول هذا اللفظ هو عين الإنسان.
_________
(1) هي المواد المكونة للحبر
(1/6)
 
 
وشرطه أن يكون جامعاً لجملة أفراد المحدود مانعاً من دخول غيره معه.
الحد أربعة أقسام: جامع مانع، ولا جامع ولا مانع، وجامع غير مانع، ومانع غير جامع. وأمثِّلها كلها بالإنسان. فقولنا الحيوان الناطق في حد الإنسان هو الجامع المانع. وقولنا في حده: هو الحيوان الأبيض ما جمع، لخروج الحبشة وغيرهم من السودان، وغير مانع لدخول الإبل والغنم والخيل والطير البيض.
وقولنا في حده: هو الحيوان جامع غير مانع، فجمع جميع أفراد الإنسان لم يبق إنسان حتى دخل في لفظ الحيوان، وما منع الدخول الفرس وغيره في حده. وقولنا في حده هو الحيوان، الرجل ما منع لأنه لا يتناول هذا اللفظ إلا الإنسان، وغير جامع لخروج النساء والصبيان وغيرهم منه، فهذه الأربعة ليس فيها صحيح غلا الأول وهو الجامع المانع، والثلاثة الأخر باطلة لعدم الجمع أو عدم المنع أو عدمهما، والحد إنما أريد للبيان، وليس بيان الحقيقة بأن يترك بعضها لم يتناوله الحد، فيعتقد السائل أنه ليس منها أو يدخل معها غيرها فيعتقد أنه منها فيقع في الجهل، وإنما قصد الخروج منه بسؤالنا، وهذا الشرط يشمل الحدود والرسوم وتبديل اللفظ باللفظ على ما سيأتي. وقولنا جامع هو معنى قولنا مطرد، وقولنا مانع هو معنى قولنا منعكس، فالجامع المانع هو: المطرد المنعكس.
قاعدة: أربعة لا يقام عليها برهان، ولا يطلب عليها دليل ولا يقال فيها لِمَ؟ فإن ذلك كله نمط واحد، وهي: الحدود والعوائد والإجماع والاعتقادات الكائنة في النفوس، فلا يطلب دليل على كونها في النفوس، فلا يطلب دليل على كونها في النفوس بل على صحة وقوعها في نفس الأمر.
فإن قلت: فإذا لم يطالب على صحة الحد بالدليل ونحن قد نعتقد بطلانه، فكيف الحيلة في ذلك؟.
قلت: الطريق في ذلك أمران. أحدهما: النقص كما لو قال: الإنسان عبارة عن الحيوان، فيقال له: ينتقض عليك بالفرس فإنه حيوان مع أنه ليس بإنسان. وثانيهما: المعارضة كما لو قال: الغاصب من الغاصب يضمن لأنه غاصب، أو ولد
(1/7)
 
 
المغصوب مضمون لأنه مغصوب؛ لأن الغاصب هو من وضع يده بغير حق، وهذا وضع يده بغير حق فيكون غاصباً، فنقول: تعارض هذا الحد بحد آخر وهو أن الغاصب هو رافع اليد المحقة وواضع اليد المبطلة وهذا لم يرفع يداً محقة فلا يكون غاصباً.
ويحترز فيه من التحديد بالمساوى والأخفى وما لا يعرف إلا بعد معرفة المحدود والإجمال في اللفظ.
المراد بالمساوى أي في الجهالة كما لو سئلنا عن العرفج فنقول هو العرفجين وهما متساويان عند السامع في الجهالة، والأخفى نحو ما البقلة الحمقاء فيقال هي العرفج؛ فإن البقلة الحمقاء هي أشهر عند السامع من العرفج والعرفجين. والجميع هي البقلة المسماة بالرجلة التي جرت عادة الأطباء يصفون بزرها لتسكين العطش، ونظير هذه التعريفات في الحدود: التزكية عند الحاكم، فإذا طلب تزكية من لا يعرفه البتة فزكاه رجل آخر لا يعرفه البتة لا يحصل المقصود. أو أتاه من يزكي وهو لا يعرفه البتة ولا رآه أصلاً، والأول رآه الحاكم، فإذا طلب تزكية من لا يعرفه البتة فزكاه رجل آخر لا يعرفه البتة لا يحصل المقصود. أو أتاه من يزكى وهو لا يعرفه البتة ولا رآه أصلاً، والأول رآه الحاكم يصلي في المسجد، فهذا الثاني أخفى من الأول، وفي المثال الأول مساو، فكذلك في الحدود لا يحصل المقصود بالتعريف، كما لم يحصل المقصود بتلك التزكية.
وأمّا ما لا يعرف إلا بعد معرفة المحدود فهو قسمان، تارة لا يعرف إلا بعد معرفته بمرتبة وتارة بمراتب. مثال الأول: قولنا في حد العلم هو معرفة المعلوم على ما هو به، مع أن المعلوم مشتق من العلم، والمشتق لا يعرف إلا بعد معرفة المشتق منه، فلا يعرف المعلوم إلا بعد معرفة العلم، والعلم لا يعرف إلا بعد معرفة المعلوم لوقوعه في حد العلم فيلزم الدَّور، وكذلك قولنا: الأمر هو القول المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به، فالمأمور والمأمور به مشتقان من الأمر، فتعريف الأمر بهما دور كما تقدم، وكذلك الطاعة تعرف بأنها موافقة الأمر، فلا تعرف إلا بعد معرفة الأمر، فتعريف الأمر بها دور.
القسم الثاني: وهو ما لا يعرف المحدود إلا بعد معرفته بمراتب نحو قولنا
(1/8)
 
 
ما الزوج؟ فيقول الاثنان، فيقال ما الاثنان؟ فيقول المنقسم بمتساويين، فيقال ما المنقسم بمتساويين؟ فيقال الزوج، وقد عرفنا الزوج بما لا يعرف إلا بعد معرفته بمراتب، فهو أشد فساداً من القسم الأول.
وكان الخسروشاهي يجيب عن القسم الأول في تلك الحدود فيقول: هي صحيحة لأن الحد هو شرح ما دل اللفظ الأول عليه بطريق الإجمال فجاز أن يكون السائل يعرف معنى المعلوم ولا يعرف لفظ العلم لأي شيء وضع، فيسأل عن مسمى العلم ما هو.
فإذا قيل له هو معرفة المعلوم على ما هو به وهو يعلم مدلول هذه الألفاظ ويجهل مدلول لفظ العلم حصل مقصوده من غير دور، وكذلك القول في المأمور والمأمور به، وأما الإجمال في اللفظ فهو أن يقال ما العسجد؟ فيقال العين، مع أن العين لفظ مشترك بين الذهب وعين الماء وعين الشمس والحدقة وعين الميزان وغيرها، وكل مشترك مجمل فلا يحصل مقصود السائل من البيان، بل ينبغي أن يقول: هو الذهب.
وقال جماعة ممن تكلم عن الحد لا يجوز أن يدخل في لفظ الحد: المجاز، وقال الغزالي في مقدمة المستصفي «يجوز دخول المجاز إذا كان معروفاً بالقرائن الحالية أو المقالية لحصول البيان حينئذ فلا يختل المقصود، وإنما المحظور فوات المقصود من البيان» (1) .
وكذلك أقول أنا أيضاً في اللفظ المشترك أنه يجوز وقوعه في الحدود إذا كانت القرائن تدل على المراد به، فإنا إذا قلنا: العدد إما زوج أو فرد، فإنا لا نفهم من هذا الكلام إلا التنويع مع أن لفظة (أو) مشتركة بين خمسة أشياء؛ التخيير والإباحة والشك والإبهام والتنويع (2) ، وكذلك إذا قلنا العالم إمَّا جماد
_________
(1) أنظر المستصفي ص 30 وما بعدها طبعة مكتبة الجندي.
(2) المعروف أن أو حرف من حروف اعطف وتفيد هذه المعاني الخمسة التي ذكرها المؤلف فمثال التخيير: تزوج هنداً أو أختها. وهي اتي تأتي بعد الطلب فلا يجوز له الجمع بينهما ومثال الإباحة: ذاكر النحو أو الفقه. ومثال الشك قوله تعالى «لبثنا يوماً أو بعض يوم» ومثال الإبهام «وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين» وقد ذكر له المتأخرون معاني انتهت إلى اثني عشر. أنظر حاشية العلامة الدسوقي صفحة 65 وما بعدها.
(1/9)
 
 
أو نبات أو حيوان لم يفهم أحد إلا التنويع لقرينة هذا السياق، فإذا وقع مثل هذه السياقات في الحدود لا يخل بالبيان فيجوز.
واتفقوا على أن النكايات لا تجوز في الحدود لأنها أمر باطن لا يطلع السائل عليه فلا
يحصل له البيان فيقع الخلل جزماً، فلا يجوز أن يريد معنى لا يدل عليه لفظه ولا يعذر بذلك، بل لا بد من التصريح.
قال الغزالي: الخلل يقع في الحدود من ثلاثة أوجه، تارة من جهة الجنس وتارة من جهة الفصل وتارة من أمر مشترك بينهما؛ أما من جهة الجنس فبأن يؤخذ الفصل بدله كما يقال في العشق: إنه إفراط المحبة، بل ينبغي أن يقال إنه المحبة المفرطة، فالإفراط هو الفصل ينبغي أن يؤخر، أو يؤخذ المحل بدل الجنس، كقولنا: الكرسي خشب يجلس عليه، أو السيف حديد يقطع بها، بل يقال آلة آلة صناعية من حديد مستطيلة عرضها كذا يقطع بها كذا؛ فالآلة جنس والحديد محل الصولة لا جنس، وأبعد من ذلك أن يؤخذ بدل الجنس ما كان في الماضي وعدم الآن؛ كقولنا في الرماد إنه خشب محترق والولد نطفة مستحيلة، أو يؤخذ الجزء بدل الجنس نحو العشرة خمسة وخمسة، أو توضع القدرة موضع المقدور نحو: العفيف هو الذي يقوى على اجتناب اللذات الشهوانية بل هو الذي تركها، لأن الفاسق يقوى على الترك، أو توضع اللوازم التي ليست ذاتية بدل الجنس كالواحد والموجود إذا أخذته في حد الشمس أو الأرض، أو يوضع النوع مكان الجنس كقولنا الشر ظلم الناس، والظلم نوع من الشر.
وأما من جهة الفصل فبأن نأخذ اللوازم والعرضيات بدل الذاتيات وأن لا نورد جميع الفصول.
قلت: كقولنا في حد الحيوان: إنه الجسم الحساس ونترك المتحرك بالإرادة وهو من جملة الفصول التي ميزت الحيوان عن النبات.
قال: وأما الأمور المشتركة فذكر ما هو أخفى كقولنا الحادث ما تعلقت به
(1/10)
 
 
القدرة القديمة أو مساوٍ في الخفاء نحو العلم ما يعلم به، أو يعرف الضد بالضد نحو العلم ما ليس بظن ولا جهل حتى يحصر الأضداد، وحد الزوج ما ليس بقرد فلا يحصل به بيان؛ لأنه يدور، أو يؤخذ المضاف في حد المضاف إليه وهما متكافئان في الإضافة نحو الأب من له ابن لاستوائهما في الجهل، أو يؤخذ المعلول في حد العلة مع أنه لا يوجد المعلول إلا بها، كقولنا: الشمس كوكب يطلع نهاراً، والنهار زمان تطلع فيه الشمس إلى غروبها.
والمعرفات خمسة؛ الحد التام، والحد الناقص، الرسم التام، والرسم الناقص، وتبديل لفظ بلفظ مرادف له هو أشهر منه عند السامع، فالأول التعريف بجملة الأجزاء نحو قولنا الإنسان هو الحيوان الناطق، والثاني التعريف بالفصل وحده وهو الناطق، والثالث التعريف بالجنس والخاصة كقولنا الحيوان الضاحك، والرابع بالخاصة وحدها
نحو قولنا هو الضاحك، والخامس نحو قولنا ما البُرَ فتقول القمح.
تقدم أن الحد أصله في اللغة المنع ثم يقصد به في الاصطلاح بيان الحقائق التصورية، فإذا قيل لك عرف حقيقة وحدها معناه بينها. ولما كنت إذا قيل لك ما حدود دار زيد أو حددها لنا فإنك تذكر جميع جهاتها وحدودها الأربعة إلى حيث تنتهي من الجهات الأربع، فلو اقتصرت على بعضها لم تكن مكملاً للمقصود؛ فلذلك سموا ذكر الأجزاء كلها حداً تاماً لاشتماله على جميع الأجزاء كاشتمال تحديد الدار على جميع الجهات، والاقتصار على بعضها حداً ناقصاً، فإن عدلنا عن جميع الأجزاء إلى اللوازم والخارجة عن الحقيقة سموه بالرسم؛ أي هو علامة على الحقيقة وإن لم يكشف عنها حق الكشف، كما إذا قلت دار زيد قبالة دار الأمير فإن هذا علامة على دار زيد، وإن كنا لا نعلم بذلك ما يحيط بدار زيد ولا مقادير تناهيها.
وإن اجتمع الجنس والخاصة فهو تام لاشتماله على القسمين، وإن اقتصرت على الخاصة وحدها سموه ناقصاً؛ كاقتصارك على الفصل وحده يسمى حداً ناقصاً، فهما متشابهان في ذلك.
(1/11)
 
 
واختلفت عبارة أهل هذا الشأن في الرسم التام فقيل الجنس والخاصة، وعلى هذا الاصطلاح لا يكون للفصل والخاصة اسم جامع مانع محصل للمقصود أكثر من الجنس لذكرك الميز، والخاصة وهي الفصل، وقيل الرسم التام: ما اجتمع فيه الداخل والخارج كيف كان، وعلى هذا يصدق الرسم التام عليهما، والأول عليه الأكثرون. وأما الخامس فاشترطت فيه المرادفة احترازاً من الرسم الناقص. والحد الناقص؛ فإنه تبديل لفظ بلفظ وله اسم يخصه ليس من هذا القبيل.
وقولي هو أشهر منه عند السامع لأن الشهرة قد تنعكس فيقول الشامي للمصري ما الفول فيقول له الباقلي لأنه اللفظ الذي يعرفه الشامي. ويقل المصري لشامي ما الباقلي فيقول له الفول لأنه اللفظ المشهور عند المصري. أما لو كان متساوياً في الجهالة أو أخفى مل يصح البيان به، فلذلك اشترطت الشهرة وقيل المرادفة احترازاً عن الحدود والرسوم؛ فإن مسمى كل لفظ منها غير المحدود فلا ترادف، بخلاف هذا القسم (1) .
فوائد
الفائدة الأولى: أن المراد بالضاحك والكاتب ونحو ذلك من خصائص الإنسان
الضاحك بالقوة دون الفعل؛ فإن الضحك بالقوة هو الموجود في جميع أفراد الإنسان فيكون جامعاً مانعاً. أما الضحك بالفعل فقد يعرى عنه كثير من أفراد الإنسان ويكون معبِّساً، فلا يكون الحد جامعاً، بل المراد القوة التي هي القابلية دون الفعل الذي هو الوجود والوقوع، وقس عليه غيره.
الفائدة الثانية: بأي ضابط يعرف الجزء الداخل من اللازم الخارج حتى يمتاز الحد عن الرسم؟ وهذا مقام قد أشكل على جمع كثير من الفضلاء فمنهم من يقول الناطق والضاحك سيان لأنهما صفتان للإنسان فلم قلتم أحدهما فصل والآخر خاصة؟! ومنهم من يقول نحن نعلم بالعقل الماهية المركبة وأجزاءها وما عدا ذلك فهو خارج عنهما وهذا معلوم بالعقل ضرورة.
وليس الأمر كما قال الفريقان. بل الحق أن هذه الأمور لا تعلم بالعقل فإن
_________
(1) هذه المصطلحات التي وردت في هذا الجزء من الكتاب تنظر في علم المنطق قبل قراءة علم أصول الفقه.
(1/12)
 
 
العقل إنما يجد في العالم جواهر وأعراضاً وصفات وموصوفات وقابليات ومقبولات، وكلها بالقياس إلى الأجسام خارجة عنها، وباعتبار مجموعها - أعني الصفات والموصوفات - تكون داخلة فيها، وليس في العقل إلا هذان القسمان، ولا يوجد داخل وخارج البتة.
وإنما يتعين الداخل من الخارج بأحد طريقين: أحدهما أن يعلم عن واضع اللفظ أنه وضع لأمرين فيعلم أن كل واحد منهما داخل في المسمى، وأن ما عداهما خارج عنهما، كما فهم عن العرب أنهم وضعوا الإنسان للحيوان الناطق فقط، فلذلك كان الناطق داخلاً والضاحك خارجاً، فلو فهم عنهم أنهم وضعوا الللفظ للحيوان والضاحك داخلاً فصلا، أو وضعوا الثلاثة كان كل واحد مهما داخلاً وعلى هذا القانون.
الطريق الثاني: أن يخترع العقل ويفرض حقيقة مركبة من شيئين فيكون ما عداهما خارجاً عنهما أما إذا لم يوجد فرض عقلي ولا وضع لغوي استد باب معرفة الداخل والخارج فتأمل ذلك؛ فأكثر الناس ينكره ويقول نحن نعلم أجزاء الحقيقة والمركبات وأجزاءها في بعض المواضع بالضرورة فرض وضع أم لا: وقد دخل الغلط عليه من جهة أن تلك المركبات إنما حصلت في ذهنه على تلك الصورة من جهة مسميات الألفاظ، وتقرر في ذهنه من كل لفظ مسمى فيه أجزءا داخلة وما عداها خارج عنها، ولما استكشف ذلك اعتقد أنه بالعقل وإنما جاءه من جهة الوضع، فإذا قيل له ما مسمى السكنجبين نقول له جزءان الخل والسكر وما نفعه للصفراء أو غير ذلك فأمور خارجة، وذلك إنما جاءه من جهة وضع لفظ السكنجبين لهذين الجزأين على الصفة المخصوصة فلو فرضناه موضوعاً لأربعين عقاراً
كان كل واحد منهما داخلاً في المسمى، أو وضع السكر وحده لم يكن الخل داخلاً، فهذا تحرير الداخل والخارج.
الفائدة الثالثة: أن الناطق معناه عندهم المحصول للعلوم بقوة الفكر فهو يرجع إلى قبول تحصيل العلوم بالفكر وهذه القابلية مثل قابلية الضحك في أنها قابلية
(1/13)
 
 
ولا مميز إلا الوضع كما تقدم وليس مرادهم بالناطق اللساني؛ لأن الأخرس والساكت عندهم إنسان، وعلى هذا يبطل الحد بالجن والملائكة لأنهم أجسام حية لها قوة تحصل العلم بالفكر، فيكون الحد غير مانع، وبعضهم تخيل هذا السؤال فقال: الحيوان المائت، والنقض يرد كما هو؛ لأن الفريقين يموتان كالإنسان.
الفائدة الرابعة: يشترط في هذه الخاصة الخارجة إذا اقتصر عليها في التعريف أن تكون لازماً مساوياً للحدود، فإنها إن كانت أعم كان الحد غير مانع أو أخص كان غير جامع، وأن تكون معلومة للسامع لأن التعريف بالمجهول لا يصح.
الفائدة الخامسة: يجوز أن تكون هذه الخاصة مفردة كقوة الضحك ومركبة كقولنا في الصقالبي إنه الضاحك الأبيض؛ فبالضاحك امتاز عن جميع الحيوانات البهيمية وبالأبيض امتاز عن السودان.
الفائدة السادسة: قال الإمام فخر الدين القول بالتعريف محال لأنه إما أن يعرف بنفس الشيء وهو محال لوجوب تقديم العلم بالمعرف على العلم بالمعرف، فيلزم تقديم الشيء على نفسه أو بالداخل وهو محال؛ لأنه إن عرف جميع الأجزاء فقد عرف نفسه، وهو محال لما تقدم، أو ما عداه فيئول الحال إلى التعريف بالخارج وسنبطله بأن ذلك الخارج لا يوجب التعريف، حتى يعلم أنه مساو ليس في غيره، وكونه ليس في غيره متوقف على معرفته هو فيلزم الدور، ولأنه كونه ليس في غيره يتوقف على تصور جميع الأغيار على سبيل التفصيل وذلك محال لاستحالة تصور ما لا يتناهى على التفصيل.
ولهذه النكتة قال إنه لا شيء من التصورات بمكتسب. والجواب عنده أنه قد تقدم أن الحد هو شرح ما دل عليه اللفظ، فعل هذا التفسير المعرف نسبة اللفظ المسمى وهو أمر خارج عنه سواء وقع التعريف بالأجزاء أو بالخواص، أو يقع التعريف بهيئة صورية كما تقدم التمثيل بالحبر (1) ؛ كذلك تقول الملك جسم لطيف
_________
(1) أنظر ص 6 من هذا الكتاب وهامشها.
(1/14)
 
 
شفاف مخلوق من نور معصوم عن الرذائل مطبوع على الطهارة والطاعة؛ فيحصل في ذهن السامع هيئة صورية هي المعرفة، ولا
أجد الحدود والرسوم وتبديل اللفظ يفيد غير هذين القسمين، وكلاهما تعريف بالخارج، فلنقتصر بالبحث عليه والجواب عنه.
فنقول: إن الوصف الخارجي قد نعلم أنه من خصائص حقيقة بعينها دون غيرها بالضرورة من غير ما ذكره من استقراء ما لا يتناهى، كما نعلم أن الزوج والفرد من خصائص العدد لا يوجدان في غيره البتة، وكذلك الكشف من خصائص العلم لا يوجد في غيره بالضرورة، ومن خصائص الحياة تصحيح محلها لأنواع الإدراك وأن ذلك لا يوجد في غيرها، ومن خصائص الإرادة ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر من غير احتياج إلى مرجح آخر ولا يوجد ذلك في غيرها، وهو كثير. فبمثل هذا يقع التعريف بأن يكون معلوماً، وما وضع لفظ المحدد له غير معلوم، فلا دور ولا استقراء غير متناه، فاندفع السؤال وأمكن اكتساب التصورات.
 
الفصل الثاني في تفسير أصول الفقه
فاصل الشيء ما منه الشيء لغة ورجحانه أو دليله اصطلاحاً فمن الأول أصل السنبلة البرة. ومن الثاني الأصل براءة الذمة، والأصل عدم المجاز والأصل بقاء ما كان على ما كان. ومن الثالث أصول الفقه أي أدلته.
ورد على التفسير اللغوي أن لفظة (من) لفظ مشترك وكذلك لفظ (ما) أيضاً، والمشترك لا يقع في الحدود لإجماله، وأيضاً فإن معاني (من) كلها لا تصح هنا؛ لأن النخلة ليست بعض النواة إذ النخلة أضعافها، ولا ابتداء الغاية ولا انتهاءها لأن من شأن المغيا أن يتكرر قبل الغاية والنخلة لم تتكرر، ويلزم أن كل ما فهي ابتداء غاية أن يكون أصلاً، فقولنا سرت من النيل إلى مكة أن يكون النيل أصل السير لغة وليس كذلك. ولا بيان الجنس، فإن النخلة ليست أعم من النواة حتى تتبين بالنواة فهذه ثلاثة أسئلة.
(1/15)
 
 
الجواب أنه قد تقدم أن الاشتراك والمجاز يصح دخولهما في الحدود إذا كان السياق مرشداً للمراد، والمراد (بما) هنا الموصولة، وبمن مجاز ابتداء الغاية وهو شبهة به من حيث النشأة من النواة وابتداؤها كما يبتدأ السير: أو تقول المراد مجاز التبعيض لا حقيقته، فإن النخلة بعضها من النواة لا كلها فجعلناها كلها جزءاً من النواة توسعاً من باب إطلاق لفظ الجزء على الكل (1) ، وكذلك قولنا أصل الإنسان نطفة وأصل السنبلة برة،
ولهذه الأسئلة اختار سيف الدين قوله: «أصل الشيء ما يستند وجوده إليه من غير تأثير، احترازاً من استناد الممكن للصانع المؤثر» ، فذكرت في هذا الكتاب في الأصل ثلاثة معان: منها واحد لغوي واثنان اصطلاحيان وبقي واحد لم أذكره هنا وذكرته في شرح المحصول وهو ما يقاس عليه، فإن من جملة ما يسمى أصلاً في الاصطلاح الأصل الذي يقاس عليه: كالحنطة يقاس عليها الأرز في تحريم الربا، فيصير الأصل أربعة معان.
والفقه هو الفهم والعلم والشعر والطب لغة، وإنما اختصت بعض هذه الألفاظ ببعض العلوم بسبب العرف.
كذلك نقله المازري في شرح البرهان، وتقول العرب رجل طب إذا كان عالماً. وقال الشاعر:
فإن تسألوني بالنساء فإنني ... خبير بأدواء النساء طبيب
أي عارف، وشعر بكذا إذا فهمه ومنه قوله تعالى: «وهم لا يشعرون» (2) ، أي لا يفهمون، ثم بعد ذلك اختص الطب بمعرفة مزاج الإنسان، والشعر بمعرفة الأوزان، والفقه بمعرفة الأحكام.
وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: «الفقه في اللغة إدراك الأشياء الخفية فلذلك
_________
(1) في نسخة مخطوطة: إطلاق لفظ الكل على الجزء.
(2) آيات كثيرة من القرآن فيها: وهم لا يشعرون. «فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون» (9 الأعراف) ، «وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون» (15 يوسف) . . الخ.
(1/16)
 
 
نقول فقهت كلامك ولا تقول فقهت السماء والأرض» وعلى هذا النقل لا يكون لفظ الفقه مرادفاً لهذه الألفاظ وعلى نقل المازري يكون مرادفاً، والثاني هو الذي يظهر لي، ولذلك خصص الفقهاء اسم الفقه بالعلوم النظرية، وأخرجت شعائر الإسلام من لفظ الفقه وحده.
والفقه في الاصطلاح هو العلم بالأحكام الشرعية العملية بالاستدلال.
فقولنا بالأحكام احترازاً من الذوات كالأجسام والصفات نحو الأعراض والعاني كلها، وقولي الشرعية احترازاً عن العقلية والحسية كأحكام الحساب نحو ثلاثة في ثلاثة بتسعة، وغير الحساب كالهندسة والموسيقى وغيرهما.
وقول: العملية احترازاً عن الأحكام الشرعية العلمية كالأحكام في أصول الفقه وأصولا لدين فإنها شرعية؛ لأن الله تعالى أوجب علينا تعلم أصول الفقه لنبني عليها الفقه، وتعلم ما يجب الله تعالى وما يستحيل عليه، وما يجوز وغير ذلك من أصول الدين.
وقولي بالاستدلال احترازاً عن المقلد، وعن شعائر الإسلام كوجوب الصلاة والصيام
والزكاة وغير ذلك مما هو معلوم بالضرورة من غير استدلال، فالعلم بها لا يسمى فقهاً اصطلاحاً لحصوله للعوالم والنساء والبله.
ويرد عليه أسئلة.
أحدها: أن أكثر الفقه ظن لا علم فإنه مستنبط من الأقيسة وأخبار الآحاد والعمومات، فيخرج أكثر الفقه من حد الفقه.
وثانيها: أن العملية إن أريد بها عمل الجوارح فقط خرج عنها الأحكام المتعلقة بالقلوب مما هو فقه في الاصطلاح: كوجوب النيات والإخلاص وتحريم الربا وغير ذلك، وإن أريد العملية كيف كانت دخلت أعمال القلوب فيندرج علم الأصول.
(1/17)
 
 
وثالثها: أن الحاصل للمقلد إن لم يكن علماً فقد خرج بقولنا أول الحد العلم بالأحكام، وإن كان علماً فهو بالاستدلال؛ لأن الفتاوى ليست بديهة غنية عن النظر فتكون استدلالية فلا يخرج بقيد الاستدلال.
ورابعها: أن لام التعريف في الأحكام إن أريد بها الاستغراق لزم أن لا يكون فقيهاً حتى يعلم جميع الأحكام، أو للعهد فلا معهود بيننا، لأنه لو خرج مجتهد وظهرت له تصانيف وأتباع سمي مذهبه فقهاً وأتباعه فقهاء؛ وليس ذلك من المعهود.
والجواب عن الأول: أن كل حكم شرعي معلوم؛ لأن كل حكم شرعي ثابت بالإجماع، وكل ما ثبت بالإجماع فهو معلوم، فكل حكم شرعي معلوم،
(1/18)
 
 
وإنما قلنا إن كل حكم شرعي ثابت بالإجماع لأن الأحكام على قسمين منها ما هو متفق عليه فهو ثابت بالإجماع ومنها ما هو مختلف فيه، فقد انعقد الإجماع على أن كل مجتهد إذا غلب على ظنه حكم شرعي فهو حكم الله في حقه وحق من قلده إذا حصل له سببه، فقد صارت الأحكام في مواقع الخلاف ثابتة بالإجماع عند الظنون؛ فكل حكم شرعي ثابت بالإجماع.
وقولنا فهو حكم الله في حقه خير من قول من يقول: فقد وجب عليه العمل بمقتضى ظنه، لأن الاجتهاد قد يقع في المباح فلا يجب العمل به، وكذلك في المحرم والمكروه والمندوب، وإذا قلنا فهو حكم الله في حقه اندرج الجميع. وقولنا إذا حصل له سببه، احترازاً من اجتهاده في الزكاة ولا مال له، أو الجنايات ولا جناية عليه ولا منه، أو في الحيض أو العِدد وليس هو امرأة حتى يثبت ذلك في حقه، لكنه في الجميع بحيث لو فرض حصول سبب ذلك في حقه كان حكم الله ذلك عليه وفي حقه. وأما إن كل ما هو ثابت بالإجماع فهو معلوم فبناءً على أن الإجماع معصوم على ما
تقرر في موضعه، ولأن كل حكم شرعي ثابت بمقدمتين قطعيتين، وكل ما ثبت بمقدمتين قطعيتين فهو معلوم/ فكل حكم شرعي معلوم.
وإنما قلنا إن كل حكم شرعي ثابت بمقدمتين قطعيتين لأنا نفرض الكلام في حكم ونقرر فيه تقريراً ونجزم باطراده في جميع الأحكام. فنقول: وجوب التدليك في الطهارة مظنون لمالك قطعاً عملاً بالوجدان وكل ما ظنه مالك فهو حكم الله قطعاً عملاً بالإجماع؛ فوجوب التدليك حكم الله قطعاً. وهذا التقرير يطرد في جميع صور الخلاف فتكون كلها ثابتة بمقدمتين قطعيتين، وأما إن كال ما ثبت بمقدمتين قطعيتين فهو معلوم فلأن النتيجة تابعة للمقدمات، فثبت بهاتين الطريقتين أن كل حكم شرعي معلوم.
وعن الثاني: أنا نلتزم صحة السؤال ونقول: الحق ما ذكره سيف الدين الآمدي وهو العلم بالأحكام الشرعية الفروعية الخ، ولا نقول العملية؛ فإن الفروعية تشمل ما يتعلق به الفقه. . كان في الجوارح أو القلب.
وعن الثالث: أن بعض المقلدين المطلع على انعقاد الإجماع في وجوب اتباع المقلد للمفتى هو المقصود هنا بالخروج، والعلم حاصل له بمقدمتين قطعيتين، إحداهما هذا أفتاني به المفتي عملاً بالسماع، وكل ما أفتاني به المفتي فهو حكم الله عملاً بالإجماع، فهذا حكم الله. وهذا الاستدلال يطرد له في جميع موارد التقليد فيكون العلم حاصلاً له، غير أن هذا الدليل عام في جميع صور التقليد، وأدله الفقه خاصة بأنواعه؛ فدليل الزكاة غير دليل الصيام فلا فرق بينهما إلا باختصاص الأدلة بالأنواع، وأما في أعيان المسائل فاشترك الفريقان في عدم الدليل عليها؛ فينبغي أن يزاد في الحد: بأدلة مختصة بالأنواع.
وعن الرابع أن اللام للعهد، وتقريره أن الخاصة والعامة مجمعون على سلب الفقه عن جماعة في العالم وإثبات الفقه لجماعة في العالم، فلولا تصور ما لأجله يسلبون ويثبتون وإلا لتعذر منهم ذلك. فتلك الصورة الذهنية هي المشار إليها بلام العهد وهي جملة غالبة معلومة عندهم، ولا تختص بكتاب ولا مذهب معين.
(1/19)
 
 
ويقال فقه بكسر القاف إذا فهم وبفتحها إذا سبق غيرها للفهم وبضمها إذا صار الفقه له سجية (1) .
كذلك نقله ابن عطية في تفسيره، وقاعدة العرب أن اسم الفاعل من فعَل وفعِل هو فاعل نحو ضرب فهو ضارب وسمع فهو سامع، ومن فعُل فعيل نحو ظرف فهو ظريف وشرف فهو شريف، فلذلك كان فقيه من فقه بالضم دون الآخرين.
 
الفصل الثالث في الفرق بين الوضع والاستعمال والحمل
فإنها تلتبس على كثير من الناس، فالوضع يقال بالاشتراك على جعل اللفظ دليلاً على المعنى كسمية الولد زيداً وهذا هو الوضع اللغوي، وعلى غلبة استعمال اللفظ في المعنى حتى يصير أشهر فيه من غيره وهذا هو وضع المنقولات الثلاثة الشرعي نحو الصلاة والعرفي العام نحو الدابة والعرفي الخاص نحو الجوهر والعرض عند المتكلمين. والاستعمال إطلاق اللفظ وإرادة مسماه بالحكيم وهو الحقيقة، أو غير مسماه لعلاقة بينهما وهو المجاز. والحمل اتقاد السامع مراد المتكلم من لفظه أو ما اشتمل على مراده
_________
(1) الفقه: العلم بالشيء والفهم له وغلب على علم الدين لسيادته. قال ابن الأثير واشتقاقه من الشق والفتح.
... وقد جعله العرف خاصاً بعلم الشريعة شرفها الله تعالى وتخصصاً بعلم الفروع منها. وقال غيره من علماء اللغة: الفقه في الأصل: الفهم. قال الله تعالى «ليتفقهوا في الدين» أي ليكونوا علماء به.
ودعا النبي b لابن عباس فقال: «اللهم علمه الدين وفقهه في التأويل» أي فهمه تأويله.
أنظر في ذلك المعاجم وكتب اللغة.
(1/20)
 
 
فالمراد كاعتقاد المالكي أن الله تارك وتعالى أراد بلفظ القرء الطهر والحنفي أن الله تعالى أراد الحيض (1) ، والمشتمل نحو حمل الشافعي رضي الله عنه اللفظ المشترك على جملة معانيه عند تجرده عن القرآن لاشتماله على مراد المتكلمين احتياطاً.
أريد بصيرورة شهرته على غيره أن يصير هو المتبادر إلى الذهن ولا يحمل على غيره غلا بقرينة كحال الحقيقة اللغوية مع المجاز، ولذلك أن المنقولات حقائق عرفية وشرعية ولكنها مجازات لغوية؛ فالدابة منقولة عن مطلق ما دب، إلى الحمار مخصوصة بمصر،
وإلى الفرس مخصوصة بالعراق، فلا يفهم غير هذين إلا بقرينة صارفة عنهما، وتسمية العرف خاصاً لاختصاصه بعض الفرق كالمتكلمين، أو النحاة في الفعل والفاعل، ولفظ الدابة يشملهم مع العوام، ولا يشترط عمومه في الأقاليم ولا في إقليم كامل؛ فربما خالف صعيد إقليم مصر شمالها، غير أنه في كل بقعة يشمل أهل تلك البقعة كلهم، فمن قال رأيت أسداً وأراد مسماه الذي هو الحيوان المفترس فهو حقيقة، أو رجلاً شجاعاً فهو مجاز، وكلاهما استعمال، والعلاقة لا بد منها في حد المجاز، لأنها لو فقدت كان نقلاً لا مجازاً كتسمية الولد جعفراً، ولا علاقة بين الولد والنهر الصغير؛ فإنه الذي يسمى جعفراً لغة.
_________
(1) القَرء والقُرء: الحيض والطهر، ضد. وذلك أن القرء هو الوقت، والوقت يكون للحيض أو الطهر. هكذا قال أبو عبيد. قال: وأظنه من أقرأت النجوم إذا غابت. وتمسك الحنفية بحديث: «دعي الصلاة أيام أقرائك» على أن اللفظ يدل على الحيض. وقد وافق الشافعي مالك في تأويله لقوله تعالى «والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء» أنها الأطهار، مستدلاً بأن ابن عمر لما طلق امرأته وهي حائض فاستفتى عمر رضي الله عنه النبي b فقال مره فليراجعها فإذا طهرت فليطلقها فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء.
ويحقق هذا الفهم قول الأعشى: ... لما ضاع فيها من فروء نسائكاً
فالقروء هنا الأطهار، لأن النساء إنما يؤتين في أطهارهن لا في حيضهن.
أنظر في ذلك كتب الفروع الفقهية وكتب اللغة المطولة.
(1/21)
 
 
وأما حمل الشافعي المشترك على جميع معانيه عند التجرد فهي مسألة اختلفوا فيها؛ فالجمهور خالفوه وقالوا كما يحصل الاحتياط إذا قال له انظر للعين فنظر لجميع العيون فيحصل المراد قطعاً ويضيع الاحتياط (1) من جهة أخرى فإنه قد ينظر إلى عين امرأته أو ذهب (2) وذلك يسوؤه فيقع في المخالفة؛ فالصواب التثبت حتى يرد البيان، والمأمور معذور عند عدم البيان وغير معذور إذا هجم بغير علم ولا ظن عند حصول الإجمال.
فاعتقاد الشافعي إن قلنا به هو مشتمل على المراد لا أنه المراد؛ فإن فرعنا على عدم صحته أسقطناه من الحد.
ويتلخص من هذا الفصل أن الوضع سابق والحمل لاحق والاستعمال متوسط، وهذا فرق جلي بينها وبقي من الوضع قسم ثالث لم أذكره وهو ما يذكره جماعة من العلماء في قولهم هل من شرط المجاز الوضع أم ليس من شرطه؟ قولان، ويريدون بالوضع هنا مطلق الاستعمال ولو مرة يسمع من العرب استعمال ذلك النوع من المجاز فيحصل الشرط؛ فصار الوضع جعل اللفظ دليلاً على المعنى أو غلبة الاستعمال، وأصل الاستعمال من غير غلبة في المواطن المذكورة خاصة فحصل الفرق بين الجميع.
_________
(1) في نسخة يضيع بحذف الواو.
(2) فالعين قد تطلق على الباصرة والذهب كما ذكر وقد تطلق أيضاً على عين الماء الجارية.
(1/22)
 
 
الفصل الرابع في الدلالة وأقسامها
فدلالة اللفظ فهم السامع من كلام المتكلم كمال المسمى أو جزأه أو لازمه.
ذكر ابن سينا فيها مذهبين: أحدهما هذا. والآخر أنها كون اللفظ بحيث إذا أطلق دل.
حجة الأول: أنه إذا دار اللفظ بين المتخاطبين فإن فهم منه شيء قيل دل عليه، وإن لم يفهم منه شيء قيل لم يدل عليه؛ فدار إطلاق لفظ الدلالة مع وجود (1) الفهم وجوداً وعدماً؛ فدل على أنه مسماه، كما دار لفظ الإنسان مع الحيوان الناطق وجميع المسميات مع أسمائها.
حجة الفريق الآخر: أن الدلالة صفة اللفظ لأنا نقول لفظ دال، والفهم صفة للسامع فأين أحدهما من الآخر؟! أجاب الأولون بأن الدلالة كالصياغة والنجارة والخياطة يجمعها وزن فعالة بكسر الفاء؛ فكما تقول للشخص إنه صائغ وتاجر وخائط، مع أن الصياغة في المصوغ والنجارة في الخشبة والخياطة في الثوب. فكذلك هنا اللفظ دال والدلالة في السامع؛ ولأن ما ذكرتموه تسمية للشيء باعتبار ما هو قابل له، وما ذكرناه تسمية باعتبار ما هو واقع بالفعل، فيكون ما ذكرناه حقيقة وما ذكرتموه مجازاً، والحقيقة أولى. والذي أختاره أن دلالة اللفظ إفهام السامع لا فهم السامع، فيسلم من المجاز ومن كون صفة الشيء في غيره.
وأما قولهم الصياغة في المصوغ فذلك من باب تسمية المفعول بالمصدر والصياغة ونحوها فعل الصائغ، وفعله ليس في المصوغ بل أثره في المصوغ، وأما تلك
_________
(1) الأولى حذف لفظة وجود.
(1/23)
 
 
الحركات التي هي المصدر ففنيت من حينها وليست في المصوغ، وكذلك بقية النظائر.
ولها ثلاثة أنواع: دلالة المطابقة، وهي فهم السامع من كلام المتكلم كمال المسمى. ودلالة التضمن وهي فهم السامع من كلام المتكلم (1) جزء المسمى، ودلالة الالتزام وهي فهم السامع من كلام المتكلم لازم المسمى البين وهو اللازم له في الذهن، فالأول كفهم مجموع الخمستين من لفظ العشرة. والثاني كفهم الخمسة وحدها من اللفظ. الثالث كفهم الزوجية من اللفظ.
الحقائق أربعة أقسام متلازمة في الخارج وفي الذهن كالسرير والارتفاع من الأرض، فإذا وقع في الخارج وقع مع الارتفاع، وإن تُصور تصور مع الارتفاع، وغير متلازمة فيهما كزيد والسرير فقد يوجد في الخارج بغير زيد وقد يتصوره العقل بغير زيد ويذهل عن زيد. ومتلازمة في الخارج فقط كالسرير والإمكان فإن الإمكان لا ينفك عن السرير فيا لخارج أما في الذهن فقد يذهل عن الإمكان إذا تصورنا السرير فلا يكون ملازماً في الذهن؛ لأنا نعني باللازم ما لا يفارق، ومتلازمة في الذهن فقط كالسرير إذا أخذ زيد معه بقيد كونه نجاراً للسرير، فإنَّ تصوره من هذه الجهة يستلزم تصور السرير قطعاً في الذهن، وإن لم تكن بينهما
ملازمة في الخارج، وكذلك السواد إذا تصورناه من حيث إنه ضد البياض يجب حضور البياض معه في الذهن جزماً. أما لو تصورناه من حيث هو السواد، أو زيد لا من جهة أنه نجار السرير لا يجب حضورهما، فالملازمة إنما حصلت من جهة هذه النسبة ولا تلازم بينهما في الخارج، بل السواد ينافي البياض. وقد مثلت الأربعة بالسرير للتيسير على المتعلم.
فنعني باللازم البين ما كان لازماً في الذهن فيندرج فيه قسمان: المتلازمان
_________
(1) في الأصول: فهم السامع كلام المتكلم بدون (من) والصحيح ما أثبتناه.
(1/24)
 
 
فيهما والمتلازمان في الذهن فقط، ويخرج عنه قسمان: المتلازمان في الخارج فقط واللذان لا تلازم بينهما.
وسر اشتراط اللزوم فيا لذهن أن اللفظ إذا أفاد مسماه واستلزم مسماه لازمه في الذهن كان حضور ذلك اللازم في الذهن والشعور به منسوباً لذلك اللفظ، فقيل اللفظ دل عليه بالالتزام، أما إذا لم يلزم حضوره في الذهن من مجرد النطق بذلك اللفظ وحضور مسماه في الذهن كان حضوره في الذهن منسوباً لسبب آخر؛ إذ لا بد في حضوره من سبب؛ فإفادته منسوبة لذلك السبب لا اللفظ، فلا يقال إنه فهم من دلالة الألفاظ التي نطق بها، فلفظ السقف يدل بالمطابقة على مجموع الخشب والجريد مثلا مطابقة، وعلى الخشب وحده تضمناً لأنه جزء السقف وعلى الحائط التزاماً؛ لأن الحائط لازم للسقف.
فإن قلت هل يشترط في اللزوم أن يكون قطعياً؟
قلت لا، بل يكفي الظن وأدنى ملازمة في بعض الصور؛ فلو أنك أول مرة رأيت فيها زيداً كان عمرو معه ثم جاءك زيد بعد ذلك وحده انتقل ذهنك إلى عمرو بمجرد اقترانه به في تلك الحالة، وكذلك ينتقل الذهن عند سماع لفظ زيد لعمرو وجميع ما قارنه في تلك الحالة، وكذلك ذكر لفظ البلاد والغزوات وغيرها يوجب انتقال ذهن السامع لما قارنها عند مباشرته لها، فالقطع ليس بشرط.
فإن قلت: قولنا العالم متغير وكل متغير حادث، فالعالم حادث. مجموع لفظ هذا البرهان دل على حدوث العلم وليس بالمطابقة لأنه لم يوضع بإزائه ولا بالتضمن لأن العالم ليس جزء مسمى هذا اللفظ، ولا بالتزام لأن حدوث العالم ليس لازماً لمسمى هذا اللفظ، بل هذا اللفظ لم يوضح مجموعه لشيء البتة حتى يكون لذلك لمسمى جزء ولازم.
قلت: دلالة هذا اللفظ على حدوث العالم بالعقل لا باللفظ، ونحن إنما حصرنا دلالة اللفظ من حيث الوضع وبقية الدلالات لم نتعرض لها، وكذلك اللفظ
(1/25)
 
 
المهمل إذا نطق به مراراً دل على حياة المتكلم به بالعادة لا بالوضع، وليس مندرجاً في هذه الدلالات الثلاث، ولم أتعرض إلا للحصر في الدلالة الوضعية خاصة.
فإن قلت: فصيغة العموم مساهماً كلية، ودلالتا على فرد منها خارجة عن الثلاث وهي وضعية؛ فإن صيغة المشركين تدل على زيد المشرك، وليس بالمطابقة؛ لأنه ليس كمال مسمى اللفظ ولا بالتضمن لأن التضمين دلالة اللفظ على جزء مسماه والجزء إنما يقابله الكل ومسمى صيغة العموم ليس كلاً، وإلا لتعذر الاستدلال بها على ثبوت حكمها لفرد من أفرادها في النفي أو النهي، فإنه لا يلزم من نفي المجموع نفي جزئه ولا من النهي عن المجموع النهي عن جزئه بخلاف الأمر لثبوت، وخبر الثبوت، فحينئذ مسمى العام كلية لا كل، والذي يقابل الكلية الجزئية لا الجزء لكنهم قالوا في دلالة التضمين هي دلالة اللفظ على جزء مسماه وهذا ليس جزءاَ فلا يدل اللفظ عليه تضمناً ولا التزاماً؛ لأن الفرد إذا كان لازم المسمى وبقية الأفراد مثله، فأين المسمى حينئذ؟! فلا يدل اللفظ عليه التزاماً؛ فبطلت الدلالات الثلاث، مع أن الصيغة تدل بالوضع فما انحصرت دلالات الوضع في الثلاث.
قلت: هذا سؤال صعب وقد أورده في شرح المحصول وأجبت عنه بشيء فيه نكادة وفي النفس منه شيء.
والدلالة باللفظ هي استعمال اللفظ إما في موضوعه وهو الحقيقة أو غير موضعه وهو المجاز. والفرق بينهما أن هذه صفة للمتكلم والفاظ قائمة باللسان وقصبة الرئة، وتلك صفة للسامع وعلم أو ظن قائم بالقلب، ولهذه نوعان وهما الحقيقة والمجاز لا يعرضان لتلك، وأنواع تلك ثلاثة لا تعرض لهذه.
الباء في الدلالة باللفظ للاستعانة، لأن المتكلم يستعين بنطقه على إفهام السامع ما في نفسه فهي كالباء في كتبت بالقلم ونجرت بالقدوم، والتفرقة بين الدلالة باللفظ ودلالة اللفظ من مهمات مباحث الألفاظ، وقد ذكرت منها الفرق بينهما من ثلاثة أوجه، وفي شرح المحصول ذكرت خمسة عشر وجهاً، وهذه الثلاثة تكفي في هذا المختصر. وقولي أو في غير موضوعه وهو المجاز، يتعين أن يزاد فيه لعلاقة بينهما، فإن بدونهما لا مجاز، ووجه تنويع دلالة اللفظ إلى العلم أو الظن أن الإنسان إذا فهم من كلام إنسان معنى قد يقطع به وقد يظن من غير قطع، وهو كثير في الكلام.
(1/26)
 
 
الفصل الخامس الفرق بين الكلي والجزئي
فالكلي هو الذي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه سواء امتنع وجوده كالمستحيل أو أمكن ولم يوجد كبحر من زئبق أو وجد ولم يتعدد كالشمس أو تعدد
كالإنسان. وقد تركت قسمين أحدهما محال والثاني أدب. والجزئي هو الذي يمنع تصوره من الشركة فيه.
ينبغي أن يشاهد الفرق بين قولنا إن تصور الكلي لا يمنع من الشركة وبين قولنا إنه قابل للشركة؛ فإن تصوره إذا لم يمنع يكون المانع من الشركة منفياً، ولا يلزم من نفي المانع وجود الموجب؛ لأن مع نفي المانع الخاص قد يتحقق المنع من جهة أخرى إما بمانع آخر أو بالذات بأن يكون المنع غير معلل بمر خارج. كما نقول إن السواد لا يمنعه كونه جاعاً للبصر أن يكون علماً؛ لأن امتناع كونه علماً لذاته غير معلل. وكذلك الواحد ربع عشر الأربعين فيستحيل عليه أن يكون نصف عشر الأربعين لذاته، مع أن تصوره بما هو تصوره لا يمنع من ذلك عليه حتى نستحضر في ذهننا مقدمات حسابية وهو أن ربع الأربعة واحد والأربعة عشر الأربعين فالواحد ربع عشر الأربعين. أما مجرد التصور فلا.
فظهر حينئذ أن قولنا لا يمنع تصوره من الشركة، لا يوجب أن يكون قابلاً للشركة، بل قد تمتنع عليه الشركة كما تقدم، وقد يقبلها كما في مفهوم الإنسان؛ فإن تصوره لا يمنع من وقوع الشركة وهو قابل لها واقعة فيه، وكذلك جميع الأجناس والأنواع، فهذا الحرف هو الموجب لقول أن أرباب علم المنطق؛ إن من أقسام الكلي واجب الوجود؛ فإن مجرد تصور أن للعالم إلهاً. هذا بمفرده لا يكفينا في حصول العلم بالوحدانية، حتى نستحضر مقدمات برهان التمانع أو غيره، وحينئذ يحصل العلم بالواحدانية، أما مجرد التصور فلا. فصال التصور غير مانع بما هو تصور، وهو مع
(1/27)
 
 
ذلك يستحيل عليه الشركة في نفس الأمر، كما قلنا في الواحد مع نصف عشر الأربعين. لكن إطلاق لفظ الكلي على واجب الوجود سبحانه وتعالى فيه إيهام تمنع من إطلاقه الشريعة؛ فلذلك قلت تركته أدباً. وأما القسم المستحيل فهو أنهم يقولون المتعدد قد يكون متناهياً كالأفلاك فإنها عدد محصور وغير متناه كالإنسان بناء منهم على قدم العالم، وأنه قد دخل في الوجود منه أفراد غير متناهية، وكذلك في جميع الأنواع. ولما قامت البراهين على حدوث العالم كان هذا القسم مستحيلاً.
فأقسام الكلي عندهم ستة وهي في هذا الكتاب أربعة. إذا ظهر الفرق بين الكلي والجزئي فينبغي أيضاً أن يعلم مع ذلك الكلية والكلي والجزئية والجزء، فالكلية هي الحكم على كل فرد فرد بحيث لا يبقى فرد، كقولنا كل رجل يشبعه رغيفان غالباً؛ فالحكم صادق باعتبار الكلية، دون الكل. والكل هو القضاء على المجموع من حيث هو مجموع، كقولنا كل رجل يشيل الصخرة العظيمة، فهذا الحكم صادق باعتبار
الكل دون الكلية. والجزئية هي الحكم على بعض أفراد الحقيقة من غير تعيين كقولنا بعض الحيوان إنسان. والجزئي هو الشخص من كل حقيقة كلية. الجزء هو ما تركب منه ومن غيره كلٌّ كالخمسة مع العشرة. وجميع هذه الحقائق لها موضوعات في اللغة؛ فصيغة العموم للكلية، وأسماء العدد للكل، والنكرات للكلي، والأعلام للجزئي، وقولنا بعض الحيوان إنسان وبعض العدد زوج للجزئية، وقولنا جزء موضوع للجزء، وهذه الحقائق يحتاج إليها كثيراً (1) (2) في أصول الفقه فينبغي أن تعلم.
_________
(1) في نسخة: يحتاج إليها كثير - بلا ألف.
(2) تنظر هذه المصطلحات في علم المنطق.
(1/28)
 
 
الفصل السادس في أسماء الألفاظ
المشترك هو اللفظ الموضوع لكل واحد من معنيين فأكثر كالعين. وقولنا كل واحد احتراز من أسماع العدد فإنها لمجموع المعاني لا لكل واحد، ولا حاجة لقولنا مختلفين فإن الوضع يستحيل للمثلين فإن التعيين إن اعتبر في التسمية كانا مختلفين وإن لم يعتبر كانا واحداً، والواحد ليس بمثلين.
جرت عادة المصنفين أن يقولوا هو اللفظ الموضوع لمعنيين مختلفين فيندرج في لفظهم أسماء الأعداد، فإن لفظ الاثنين يصدق عليه أنه وضع لمعنيين وهما الوحدتان اللتان تركب منهما مفهوم الاثنين، ولفظ الثلاثة يصدق عليه أنه وضع لأكثر من معنيين، وكذلك بقية أسماء العدد، مع أنها كلها غير مشتركة فيكون الحد غير مانع، فقلت أنا: لكل واحد لتخرج أسماء الأعداد لأنها للمجموعات لا لكل واحد، ويقولون: إن مختلفين يحترز به عن الأسماء المتواطئة، كلفظ الإنسان فإنه يتناول جميع الأناسي وهي متماثلة من حيث إنها أناسي؛ مع أن اللفظ غير مشترك وهذا لا يحتاج غليه؛ فإن لفظ الإنسان وغيره من أسماء الأنواع والأجناس إنما وضع للقد المشترك بينها لا لها، والمشترك مفهوم واحد، فما وضع اللفظ إلا لواحد، وقد خرج هذا بقولي لمعنيين؛ فلا حاجة إلى إخراجه بقيد آخر لأنه حشو في الحد بغير فائدة، والوضع للمتماثلين مستحيل لما ذكرته من البرهان في الأصل.
وقولي فصاعداً لأن الاشتراك قد يقع بين أكثر من اثنين كالعين وغيره من الألفاظ، وبين معنيين كالقرء والحيض والطهر (1) والجون للأبيض والأسود.
_________
(1) أنظر صحيفة وهامش 21 من هذا الكتاب.
(1/29)
 
 
فائدة: ينبغي أن يفرق بين اللفظ المشترك وبين اللفظ الموضوع للمشترك لأن اللفظ الأول مشترك والثاني لمعنى واحد مشترك، واللفظ ليس بمشترك. والأول مجمل والثاني ليس بمجمل لاتحاد مسماه.
والمتواطئ هو اللفظ الموضوع لمعنى كلي مستوفي محاله كالرجل. والمشكك هو اللفظ الموضوع لمعنى كلي مختلف في محاله إما بالكثرة وبالقلة كالنور بالنسبة إلى السراج والشمس، أو بإمكان التغير واستحالته كالوجود بالنسبة إلى الواجب والممكن، أو بالاستغناء والافتقار كالموجود بالنسبة إلى الجوهر والعرض.
المتواطئ مشتق من التواطؤ الذي هو التوافق يقال تواطأ القوم على الأمر إذا اتفقوا عليه، ولما توافقت محال مسمى هذا اللفظ في مسماه سمي متواطئاً. والمشكك من الشك لأنه يشكك الناظر فيه هل هو مشترك أو متواطئ فإن نظر إلى إطلاقه على المختلفات قال هو مشترك كالقراء أو إلى أن مسماه واحد قال هو متواطئ، والمشترك مأخوذ من الشركة، شبهت اللفظة في اشتراك المعنى فيها بالدار المشتركة بين الشركاء، والمترادفة من الردف، شبه اجتماع اللفظين على معنى واحد باجتماع الراكبين على ردف الدابة وظهرها، والمتباينة من البين الذي هو الافتراق والبعد، شبه افتراق المسميات في حقائقها بافتراق الحقائق في بقاعها.
وأصل القسمة فيها رباعية وهي أن اللفظ والمعنى إما أن يتكثرا معاً وهي المتباينة، أو يتحدا معاً كزيد والإنسان وهي المتواطئة، أو يتكثر اللفظ فقط وهي المترادفة، أو المعنى فقط وهي المشتركة. وقولنا في المتواطئة الموضوعة لمعنى كلي احترازاً عن العلم فإنه لجزئي، وقولنا مستوفي محاله احترازاً عن مشكك فإنه مختلف في محاله، وقولي في المشكك مختلف في محاله احترازاً عن المتواطئ فإنه مستوفي محاله فلا فارق بينهما إلا التساوي والاختلاف في المحال، ثم الاختلاف قد يقع بكثرة الأفراد وقلتها كالنور فإن أفراد النور في الشمس أكثر وفي السراج أقل، وقد يكون بامتناع التغير وقبوله كالوجود فإن الوجود الواجب لا يقبل التغير
(1/30)
 
 
ولا الفناء ولا العدم ولا الزوال، والوجود الممكن يخلاف ذلك، فصار وجوب الوجود وامتناع التغير كالكثرة في الشمس وقبول ذلك كالقلة في السراج، وقد يكون بالاستغناء كالجوهر مستغن عن محل يقوم به، والعرض مفتقر لمحل يقوم به، فكان الاستغناء كالكثرة في الشمس والافتقار كالقلة في السراج. فهذه أسباب التشكيك وهي ثلاثة وأصلها الأول.
سؤال قوي: وهو أن الرتبة العليا والدنيا قد اشتركتا في مقدار من المسمى وامتازت العليا بزيادة والدنيا بنقص، فنقول: اللفظ إذا كان موضوعاً للمشترك فقط فهذا المشترك مستوي محاله، إنما صحبه زيادة في محل ونقص في محل آخر، وإذا كان مستوياً كان متواطئاً لا مشككاً؛ فحصول الاستواء في المحال والاختلاف بغير المسمى لا يقدح، بدليل أن المتواطئ لا بد أن تختلف مسمياته بأمور خارجة عن المسمى؛ فإن مفهوم الرجل قد اختلف بغير الرجولية من الطول والقصر والعلم والجهل وغير ذلك، حتى عد الرجل الواحد بالألف من الرجال، وذلك لا يقدح في كونه متواطئاً، وإن كان اللفظ المشكك موضوعاً للمشترك بين محاله بقيد الزيادة في أحد المحلين والنقص في الآخر فهو موضوع لمختلفين فهو مشترك لا مشكك، فلا حقيقة حينئذ للمشكك، بل هو إما متواطئ وإما مشترك.
جوابه: أن ما وقع به الاختلاف إن كان من جنس المسمى فهو المشكك فإن زيادة النور نور، أو من غير جنسه فهو المتواطئ فإن العلم والشجاعة وغير ذلك أجناس أخر مباينة للرجولية وليست منها، فوقع الاصطلاح على أن المختلف بجنسه هو المشكك والمختلف بغير جنسه هو المتواطئ، واللفظ لم يوضع في القسمين إلا المشترك مع قطع النظر عن الزيادة والنقص، فإن قلت: فيتعين عليك أن تزيد في الحد في المشكك، فتقول: مختلف في محاله بجنسه حتى يخرج المتواطئ الذي اختلافه من غير جنسه وإلا فحدك باطل لعدم المنع لدخول المتواطئ فيه، قلت: نعم ذلك حق.
والمترادفة هي الألفاظ الكثيرة لمعنى واحد كالقمح والبر والحنطة،
(1/31)
 
 
والمتباينة هي الألفاظ الموضوع كل واحد منها لمعنى كالإنسان والفرس والطير، ولو كانت للذات والصفة وصفة الصفة، تحو: زيد متكلم فصيح.
متى اختلف المفهومان، أعني (1) المسميين فاللفظان متباينان وإن كانا في الخارج متحدين، كاللون والسواد متحدان في الخارج ولفظاهما متباينان لتغاير المفهومين عند العقل، وقد يكون متعددين في الخارج كالإنسان والفرس.
والمرتجل هو اللفظ الموضوع لمعنى لم يسبق بوضع آخر.
المرتجل مشتق من الرجل ومنه أنشد ارتجالاً أي أنشد من غير روية وفكرة؛ لأن شأن الواقف على رجل يشتغل بسقوطه عن فكرته، فشبه الذي لم يسبق بوضع بالذي لم يسبق بفكر، هذا هو اصطلاح الأدباء. ذكره صاحب المفصل وغره، فجعفر في النهر
الصغير مرتجل وفي الشخص علماً ليس بمرتجل لتقدم وضعه للنهر الصغير، وكذلك زيد مرتجل بالنسبة إلى المصدر الذي نقول فيه زاد يزيد زيداً، وغير مرتجل بالنسبة لجعله علماً على شخص معين، وقال الإمام فخر الدين هو المنقول عن مسماه لغير علاقة، ولم أر أحداً غيره قاله فيكون باطلاً لأنه مفسر لاصطلاح الناس، فإذا لم يوجد لغيره لم يكن اصطلاحاً لغيره، فعلى رأيه يكون جعفر وزيد في الشخصين المعينين مرتجلين لأنهما نقلا لا لعلاقة.
والعلم: هو الموضوع لجزئي كزيد.
هذا هو علم الشخص ويكون في الأناسي كزيد، والملائكة كجبريل، وقل في اسم الله تعالى: إنه علم، قاله صاحب الكشاف لجريان النعوت عليه، فيقال الله الملك، القدوس. وتجري الأعلام في الحيوان البهيمي نحو داحس والغبراء (2)
_________
(1) في الأصل: بين المسميين والصحيح ما أثبتناه.
(2) داحس والغرباء اسما فرسين لقيس بن زهير بن خذيمة العبسي. ومنه حرب داحس: وذلك أن قيساً هذا وحذيفة بن بدر الذبياني ثم الفزاري تراهنا على سبق عشرين بعيراً وجعلا الغاية مائة غلوة، والمضمار أربعين ليلة، والمجرى من ذات الإصاد، فأجرى قيس داحساً والغبراء وأجرى حذيفة الخطار والحنفاء، فوضعت بنو فزارة كميناً على الطريق، فردوا الغبراء وللطموها، فهاجت الحرب بين عبس وذبيان أربعين سنة.
(1/32)
 
 
للخيل، والبلاد كمكة، والجبال كأحد، والأنهار كالنيل، والبقاع كنجد وتهامة. وأما علم الجنس كأسامة وثعالة فإنه موضوع لكلي بقيد تشخصه في الذهن، فيصدق أسامة على كل أسد في العالم وثعالة على الثعلب أين وجد، وكذلك جميع أعلام الأجناس. وقد ذكر منها صاحب المفصل جملاً كثيرة.
وتحرير الفرق بين علم الأجناس وعلم الشخص، وعلم الجنس واسم الجنس وهو من نفائس المباحث ومشكلات المطالب، وكان الخسروشاهي يقرره ولم أسمعه من أحد إلا منه، وكان يقول ما في البلاد المصرية من يعرفه وهو: أن الوضع فرع التصور فإذا استحضر الواضع صورة الأسد ليضع لها فتلك الصورة الكائنة ذهنه هي جزئية بالنسبة إلى مطلق صورة الأسد، فإن هذه الصورة واقعة في [نفس الواضع وفي (1) ] هذا الزمان، ومثلها يقع في زمان آخر وفي ذهن شخص آخر، والجميع مشترك في مطلق صورة الأسد، فهذه الصورة جزئية من مطلق صورة الأسد، فإن وضع لها من حيث خصوصها فهو علم الجنس، أو من حيث عمومها فهو اسم الجنس، وهي من حيث عمومها وخصوصها تنطبق على كل أسد في العالم، بسبب أنا إنما أخذنا ما في الذهن مجردة عن جميع الخصوصيات فتنطبق على
الجميع، فلا جرم يصدق لفظ الأسد واسامة على جميع الأسود لوجود المشترك فيها كلها، فيقع الفرق بين اسم الجنس وعلم الجنس بخصوص الصورة الذهنيةن والفرق بين علم الجنس وعلم الشخص أن علم الشخص موضوع الحقيقة بقيد التشخص الخارجي، وعلم الجنس موضوع للماهية بقيد التشخص الذهني.
المضمر هو اللفظ المحتاج في تفسيره إلى لفظ منفصل عنه إن كان غائباً أو قرينة تكلم أو خطاب؛ فقولنا إلى لفظ احترازاً من ألفاظ الإشارة، وقولنا منفصل عنه احترازاً من الموصولات، وقولنا قرينة تكلم أو خطاب ليدخل فيه ضمير المتكلم والمخاطب.
المضمر مأخوذ من الضمور لأنه مختصر قليل الحروف بالنسبة إلى الظاهر،
_________
(1) ساقطة من النسخ المطبوعة.
(1/33)
 
 
أو من الضمير لأنه كناية عما في الضمير وهو الاسم الظاهر أو مسماه، ولا بد له من مفسر، فقد يكون لفظاً منفصلاً عنه نحو زيد مررت به، وهذا هو الأصل، ثم يقوم مقامه أمور أخر تصيِّره معلوماً كقوله تعالى «إنا أنزلناه في ليلة القدر» (1) ولم يتقدم للقرآن الكريم ذكر بل كان معلوماً بالمحاورات المتقدمة، وكقوله تعالى «كل من عليها فان» (2) ولم يتقدم الأرض ذكر لكنها معلومة بالسياق، وكقوله تعالى «حتى توارت بالحجاب» (3) ولم يتقدم للشمس ذكر. أما الموصلات فلا بد أن تتصل صلاتها بها نحو مررت بالذي قام وبمن قام أو بما قام، وأسماء الإشارة هذا وتلك وهؤلاء وأولاء لا بد معها من مفسر، وأصله أن يكون فعلاً من إشارات الأعضاء أو غيرها، والمضمرات ثلاثة أقسام للمتكلم والمخاطب والغائب، فالمحتاج لما تقدم إنما هو ضمير الغائب نحو: هو وهي ونما وهم وهن، وأما المخاطب نحو أنت وأنت وأنتما وأنتم وأنتن، والمتكلم نحو: أنا ونحن فلا يحتاج شيء من هذين القسمين إلى معرفة (4) لفظ ظاهر، بل من قال لك: أنا، عرفته وإن لم تعرف اسمه، وكذلك من قلت له أنت، انتظم الكلام بينكما وإن لم تعرف اسمه، بل قرينة التكلم والخطاب كافية في ذلك، فلذلك نوعت المحتاج إليه في بيان المضمر إلى لفظ أو قرينة.
فائدة جليلة: اختلف الفضلاء في مسمى لفظ المضمر حيث وجد، هل هو جزئي أو كلي؟ فرأيت الأكثرين على أن مسماه جزئي، واحتجوا على ذلك بوجهين الأول: أن النحاة
أجمعوا على أن المضمر معرفة والصحيح أنه أعرف المعارف، فلو كان مسماه كلياً لكان نكرة، فإن النكرة إنما كانت نكرة لأن مسماها كلي مشترك فيه بين أفراد غير متناهية لا يختص به واحد منها دون الآخر، والمضمر ليس كذلك، فلا يكون نكرة. الثاني: أن مسمى المضمر إذا كان كلياً كان دالاً على ما هو أعم من الشخص المعين، والقاعدة العقلية أن الدال على الأعم غير دال على الأخص، فيلزم أن لا يدل المضمر على شخص خاص البتة وليس كذلك، بل
_________
(1) 1 القدر.
(2) 26 الرحمن.
(3) 22 سورة ص.
(4) في واحدة من المخطوطات تقدم بدل معرفة.
(1/34)
 
 
كل من قال: أنا، فهمناه دون غيره، وكذلك إذا قلت لزيد: أنت قائم، لا يفهم إلا نفسه.
والصحيح خلاف هذا المذهب وعليه الأقلون، وهو الذي أجزم بصحته وهو أن مسماه كلي، والدليل عليه أنه لو كان مسماه جزئياً لما صدق على شخص آخر غلا بوضع آخر كالأعلام؛ فإنها لما كان مسماها جزئياً لم تصدق على غير من وضعت له إلا بوضع ثان، فإذا قال قائل: أنا، فإن كان اللفظ موضوعاً بإزاء خصوصه من حيث هو هو، وخصوصه ليس موجوداً في غيره، فيلزم أن لا يصدق على غيره إلا بوضع آخر، وإن كان موضوعاً لمفهوم المتكلم بها وهو قدر مشترك بينه وبين غيره والمشترك كلي فيكون لفظ أنا حقيقة في كل ممن قال أنا؛ لأنه متكلم بها الذي هو مسمى اللفظ فينطبق ذلك على الواقع، وأما قولهم في الوجهين: فالجواب عنه واحد، وهو أن دلالة اللفظ على الشخص المعين لها سببان: أحدهما وضع اللفظ بإزاء خصوصه فيفهم الشخص حينئذ الوضع بإزاء الخصوص وهذا كالعلم. وثانيهما: أن يوضع اللفظ بإزاء معنى عام ويدل الواقع على أن مسمى اللفظ محصور في شخص معين فيدل اللفظ عليه؛ لانحصار مسماه فيه لا للوضع بإزائه، ومن ذلك المضمرات، وضعت العرب لفظ أنا مثلاً لمفهوم المتكلم بها فإذا قال القائل: أنا، فهم هو؛ لأن الواقع أنه لم يقل هذه اللفظة الآن إلا هو، ففهمناه لانحصار المسمى فيه لا للوضع بإزائه، وكذلك بقية المضمرات. وهذا كما تقول رأيت قاضي مكة أو المدينة، فيفهم المتولي في ذلك الوقت لهذه المدينة لن الواقع أنه هو المتولي، وفي وقت آخر يفهم المتولي الآخر على حسب ما يحصر الواقع المسمى في شخص معين، فكذلك المضمرات، حتى لو فرضنا جماعة قالوا أنا في وقت واحد وأصوات متشابهة بحيث لا يميز الواقع واحداً منهم عن واحد لم يفهم منهم واحد، وكذلك إذا قلت الجماعة بين يديك أنت أخاطب واستوت نسبتك في الخطاب معهم ومواجهتك إليهم وإشارتك، لم يفهم أحد منهم نفسه بخصوصه، وإنما يفهمها إذا حصر الواقع المخاطبة فيه، فلما كان الغالب حصر الواقع مسمى اللفظ في شخص معين فيفهم.
قال النحاة: هي معارف، فإن فهم
(1/35)
 
 
الجزئي لا يكاد ينفك عنها، وبه حصل الجواب عن
القاعدة العقلية: أن اللفظ الموضوع لمعنى أعم لا يدل على ما هو أخص منه؛ فإن الدلالة لم تأت من اللفظ وإنما أتت من جهة حصر الواقع المسمى في ذلك الأخص.
إذا تقرر الجواب عن حجم وظهر بالبرهان أن مسماها كلي لا جزئي فأعين مسمياتها، فأقول: مسمى مضمرات المتكلم وهي أنا ونحن وإياي وإيانا وقمت وقمنا وأكرمني وأكرمنا وعملي ولي: مفهوم المتكلم بها كائناً من كان، ومسمى ضمائر المخاطب وهي نحو: قمتَ وأنتَ وأنتِ مفهوم المخاطب بها كائناً من كان، ومسمى مضمرات الغائب وهي: هو وهي ونحوها مفهوم الغائب كائناً من كان.
فإن قلت فهل تقول: إن لفظ الغائب ولفظ المضمرات الموضوعة للغيبة لمعنى واحد فيكونان مترادفين، أو تقول هما لمعنيين فيكونان متباينين؟ .
قلت: بل أقول إنهما لمعنيين وإنهما متباينان؛ لأن لفظ الغائب موضوع لمعلوم موصوف بالغيبة، والمضمرات الخاصة موضوعة لمعلوم موصوف بالغيبة يقيد الاختصار والإيجاز في التعبير عنه، وبهذا القيد صار مسمى المضمر أخص من مسمى لفظ الغائب فهما متباينان لا مترادفان، ولذلك يجوز استعمال لفظ الغائب ابتداءً من غير أن يكون للعقل بمسماه شعور، ولا يجوز في المضمر حتى يكون للذهن به شعور بتقدم لفظ أو سياق أو غيرهما، ولا يجوز مع لفظ المضمر النعت ويجوز مع لفظ غائب، إلى غير ذلك من الأحكام الدالة على التباين.
والنص فيه ثلاثة اصطلاحات، قيل: ما دل على معنى قطعاً ولا يحتمل غيره قطعاً كأسماء الأعداد، وقيل: ما دل على معنى قطعاً وإن احتمل غيره كصيغ الجموع في العموم فإنها تدل على أقل الجمع قطعاً وتحتمل الاستغراق، وقيل: ما دل على معنى كيف ما كان وهو غالب استعمال الفقهاء.
النص أصله في اللغة وصول الشيء إلى غايته، ومنه قوله في الحديث «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير العنق فإذا وجد فجوة نص» أي رفع السير
(1/36)
 
 
إلى غايته، ومنه منصة العروس لأنها ترفع إلى غايتها اللائقة بالعروس، ومنه نصت الظبية جيدها إذا رفعته. فمن لاحظ هذا المعنى سمى به القسم الأول فإن دلالته أقوى الدلالات، ومن لاحظ أصل الظهور والارتفاع سمى به المعنى الثالث، ومن توسط بينهما سمى به القسم المتوسط، والقسم الأول هو أولى بهذا الاشتقاق لوجود ارتفاع الدلالة إلى غايتها وهو الذي يجعل قبالة الظاهر.
فإذا قلنا اللفظ إما نص أو ظاهر فمرادنا القسم الأول، وأما الثالث فهو غالب الألفاظ
وهو غالب استعمال الفقهاء، يقولون: نص مالك على كذا أولنا في المسألة النص والمعنى، ويقولون: نصوص الشريعة متظافرة بذلك. وأما القسم الثاني فهو كقوله تعالى: «اقتلوا المشركين (1) » ، فإنه يقتضي قتل اثنين جزماً فهو نص في ذلك مع احتماله لقتل جميع المشركين.
والظاهر هو المتردد بين احتمالين فأكثر هو في أحدهما أرجح، والمجمل هو المتردد بين احتمالين فأكثر على السواء، ثم التردد قد يكون من جهة الوضع كالمشترك وقد يكون من جهة العقل كالمتواطئ بالنسبة إلى أشخاص مسماة نحو قوله تعالى: «وآتوا حقه يوم حصاده (2) » فهو ظاهر بالنسبة إلى الحق مجمل بالنسبة إلى مقاديره.
الظاهر من الظهور وهو العلن، فاللفظ متى رجح في احتمال من الاحتمالات قلت أو كثرت سمي ذلك اللفظ ظاهراً بالنسبة إلى ذلك المعنى، كالعموم بالنسبة إلى الاستغراق، فإن اللفظ ظاهر فيه دون الخوض، وكذلك كل لفظ ظاهر في حقيقته دون مجازاته، والمجمل مأخوذ من الجّمْل وهو الخلط ومنه قوله عليه السلام «لعن الله اليهود حُرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها وأكلوا أثمانها» أي خلطوها بالسبك. ومنه العلم الإجمالي إذا اختلط فيه المعلوم بغير المعلوم، واللفظ
_________
(1) 5 التوبة.
(2) 141 الأنعام.
(1/37)
 
 
المجمل اختلط فيه المراد بغير المراد فسمي مجملاً، فإذا وضعت العرب اللفظ مشتركاً لزم الاشتراك الإجمال، كما تقول الفرس الآن لا إجمال فيه بل يتبادر الذهن إلى الحيوان الصاهل، فل ووضعوه لحيوان آخر صار مجملاً، فعلمنا أن الإجمال نشأ عن الاشتراك، وأما إذا قلنا في الدار رجل فإنا نجوِّز أن يكون زيداً وعمراً أو جميع رجال الدنيا على البدل، وذلك بطريق التجويز العقلي لا بمن الوضع اللغوي، بل ما اقتضى الوضع إلا القدر المشترك بين جميع الرجال، وهو مفهوم الرجل، وهو من هذا الوجه ظاهر لا مجمل، وإنما جاء الإجمال من جهة التجويز العقلي، فعلمنا أن الإجمال له سببان: الوضع اللغوي والتجويز العقلي. ومثلا لرجل في ذلك كل نكرة ينطق بها، وأما لفظ الآية فإن المقدار لم يتعرض له فلذلك احتمل العشر وغيره على السواء فكان اللفظ مجملاً بالنسبة إلى المقادير. وظاهر في المشترك الذي هو الحق من حيث الجملة.
والمبين ما أفاد معناه إما بسبب الوضع أو بضميمة بيان أليه.
المبين من البيان وهو الإيضاح، فإذا قال له عندي عشرة قلنا هذا اللفظ مبين بالوضع أي بينه الواضع والمستعمل، فإن كان اللفظ أولاً مجملاً نحو القرء ثم بينه بعد ذلك قلنا صار مبيناً، فصدق المبين على القسمين، وكذلك المفسر يصدق على القسمين في الاصطلاح واللغة.
والعام هو الموضوع لمعنى كلي بقيد تتبعه في خاله نحو المشركين.
المراد بالتتبع في المحال أي بالحكم كان وجوباً أو تحريماً أو إباحة أو خبراً أو استفهاماً أي شيء كان الحكم، وسبب هذه العبارة والاحتياج إليها إشكال كبير عادتي أورده ولم أر أحداً قط أجاب عنه وهو، أن صيغة العموم بين أفرادها قدر مشترك ولها خصوصيات؛ فاللفظ إما أن يكون موضوعاً للمشترك كمطلق المشترك في المشركين أو الخصوصات أو المجموع المركب منهما والكل باطل فلا يتحقق مسمى العموم ولا وضعه، بيانه: أن اللفظ إن كان وضع للمشترك فقط يلزم أن يكون مطلقاً والمطلق ليس بعام، وإن وضع للخصوصات وهي مختلفة فيلزم أن
(1/38)
 
 
يكون لفظ العموم مشتركاً مجملاً لوضعه بين مختلفات، وصيغة العموم مسماها واحد ولا إجمال فيها، ولأن الخصوصات غير متناهية، ووضع لفظ مشترك بين أمور غير متناهية محال، لأن الوضع فرع التصور، وتصور ما لا يتناهى على التفصيل محال. وإن كان موضوعاً للمجموع المركب من كل خصوصية مع المشترك في كل فرد فرد على حياله لزم الاشتراك بين ما لا تناهى وهو محال لما تقدم، أو لمجموع الأفراد بحيث يكون المسمى واحداً وهو المجموع من حيث هو مجموع، فيصير نسبته إلى مسماه كنسبة لفظ لعشرة لمسماها، فحينئذ يتعذر الاستدلال بصيغة العموم على ثبوت حكمها لفرد من أفرادها في النهي أو النفي، لأنه لا يلزم من النهي عن المجموع، أو الإخبار عن نفيه، نفي أجزائيه، ولا اجتناب جميع أجزائي، لأن المجموع يكفي في صدق اجتنابه ترك جزء. وكذلك يصدق نفيه بنفي جزء؛ لكن لفظ العموم هو الذي يحسن الاستدلال به على ثبوت حكمه لكل فرد حالة النفي أو النهي؛ فلا يكون لفظ العموم للعموم على هذا التقدير، فهذا هو الإشكال.
وأجاب بعضهم بأن موضوع المشترك بقيد العدد فلا يكون مطلقاً لحصول العدد ولا مشتركاً لأن مسماه واحد وهو المشترك ومفهوم العدد.
فقلت له: مفهوم العدد كلي والمشترك كلي، والكلي إذا أضيف إلى الكلي صار المجموع كلياً، والموضوع للكلي مطلق فلا يكون عاماً بل يكتفى بما يصدق فيه المشترك والعدد، وذلك يصدق بثلاثة، فعلى هذا إذا قلنا هو اللفظ الموضوع للقدر المشترك بقيد تتبعه في محاله بحكمه اندفعت الأسئلة؛ لأن قيد التتبع في جميع المحال ينفي الإطلاق فإن المطلق لا يتتبع بل يقتصر به على فرد ويكون مجموع للقيدين هو المسمى، وهما المشترك وقيد التتبع، فيكون المسمى واحداً فلا يكون مشتركاً، فحصل العموم من غير إشكال، فهذا هو الملجئ لهذا الحد الغريب.
والمطلق هو اللفظ الموضوع لمعنى كل نحو رجل، والمقيد هو اللفظ الذي أضيف إلى مسماه معنى زائد عليه نحو رجل صالح.
التقييد والإطلاق أمران إضافيان، فرب مطلق مقيد بالنسبة، ورب مقيد
(1/39)
 
 
مطلق، فإذا قلت حيوان ناطق فهذا مقيد، وإذا عبرت عنه بإنسان صار مطلقاً، وإذا قلت إنسان ذكر كان مقيداً، وإذا عبرت عنه برجل صار مطلقاً، وكذلك ما من مطلق إلا ويمكن جعله مقيداً بتفصيل مسماه والتعبير عن الجزأين بلفظين، وما من مقيد إلا ويمكن أن يعبر عنه بلفظ واحد فيصير مطلقاً إلا ما يندر جداً كالبسائط.
والأمر هو اللفظ الموضوع لطلب الفعل طلباً جازماً على سبيل الاستعلاء نحو: قم، والنهي هو الموضوع للفظين فأكثر أسن مسمى أحدهما إلى مسمى الآخر إسناداً يقبل التصديق للفظين فأكثر أسند مسمى أحدهما إلى مسمى الآخر إسناداً يقبل التصديق والتكذيب لذاته نحو زيد قائم.
جعل هذا الباب كله من باب اللفظ الموضوع يتخرج على أحد المذاهب الثلاثة؛ وهي أن الكلام وجميع ما يتعلق به وبأنواعه وعوارضه من الأمر والنهي والخبر والاستفهام والتكذيب والتصديق وغيرها هل هي كلها موضوعة للكلام اللساني مجاز في النفساني لأنه المتبادر عرفاً أو للنفساني مجاز في اللسان كقول الأخطل:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جُعل اللسان على الفؤاد دليل
أو الألفاظ كلها مشتركة بين اللساني والنفساني جمعاً بين المدركين؟ ثلاثة مذاهب فوق التحديد في هذا مبنياً على المذهب الأول، مع أن الثالث هو المشهور عند العلماء، كذلك حكاه إمام الحرمين والإمام فخر الدين، فقولي فيا لأمر لطلب الفعل احترازاً من طلب الترك الذي هو النهي، ومن الاستفهام لأنه لطلب الحقائق دون الأفعال، وقولي طلباً جازماً احترازاً من الندب، وقولي على سبيل الاستعلاء هو مذهب أبي الحسين البصري والإمام فخر الدين، ومنهم من اشترط العلو دون الاستعلاء، والجمهور من المتكلمين على عدم اشتراطهما، بل الصيغة من حيث هي صيغة تسمى أمراً كانت من أعلى أو أدنى مع استعلاء أو تواضع كالخبر، وسيأتي في الأمر تقرير ذلك إن شاء الله تعالى، ولم أر لهم مثل هذا الخلاف في النهي فتركته، وتلزمهم التسوية بين البابين، والاحترازات في الأمر هي بعينها في النهي فلا أعيدها.
(1/40)
 
 
قال العلماء: فرقت العرب بين قولنا ما الزوج وبين قولنا أفهمني ما الزوج؟ فالأول طلب الحقيقة والثاني طلب فعل يصدر من الخاطب، فإذا قال السيد لعبده من بالباب؟ فقال غير ذلك العبد: زيد بالباب، حصل مقصود السيد ولا عُتب على العبد الأول،
فإن المقصود إنما هو تحصيل فهم من بالباب، وإذا قال لعبده اسقني ماء فسقاه غير ذلك العبد المأمور توجه العُتب على الأول لكون صيغة الأمر موضوعة للتكليف والإلزام الذي من شأنه العتب على تقدير الترك، هكذا نقله الأئمة عن اللغة في الفرق بين الاستفهام والأمر، نقله فخر الدين وغيره، فلذلك قيل في حد الاستفهام طلب حقيقة الشيء.
وقولي في الخبر للفظين فأكثر، فإن أقل الخبر لفظان نحو زيد قائم، وقد يخبر بأكثر نحو: أكرم أخوك أباك يوم الجمعة متكئاً في الدور إلا دار زيد إجلالاً له وخالداً، فهذا كله خبر واحد هو ومتعلقاته وخالداً مفعول معه وإجلالاً مفعول لأجله (1) .
وقولي: أسند مسمى أحدهما إلى مسمى الآخر احتراز من قولنا زيد عمرو في الكلام غير المنتظم.
وقولي: يقبل التصديق والتكذيب احتراز من الإسناد بالإضافة نحو غلام زيد، أو الصفة نحو الرجل الصالح، وقولي: لذاته احتراز من تعذر قبوله لأحدهما لعارض من جهة المخبر أو المخبر عنه، فالأول خبر الله تعالى لا يقبل إلا الصدق، والثاني نحو قولنا الواحد نصف الاثنين لا يقبل إلا الصدق، والواحد نصف العشرة لا يقبل إلا الكذب، فلم يقبلها في هذه الأحوال، لكن هذه الأخبار بالنظر إليها من حيث إنها خبر تقبلهما إذا قطعنا النظر عن المخبر والمخبر عنه، وإنما جاء الامتناع لا من ذات الخبر فله من ذاته قبولهما (2) .
_________
(1) وباقي إعراب المثال: أكرم فعل ماض. وأخوك فاعل. وأباك مفعول به، ويوم ظرف. والجمعة: مضاف إليه. ومتكئاً حال وفي الدور جار ومجرور. وإلا أداة استثناء. ودار مستثنى وزيد مضاف إليه. والمعروف أن أغلب ألفاظ المثال هي مكملات للجملة الرئيسية.
(2) وهذه ما يعبرون عنه في علم البلاغة: أنا خبر ما يقبل الصدق والكذب لذاته.
(1/41)
 
 
الفصل السابع الفرق بين الحقيقة والمجاز وأقسامهما
فالحقيقة استعمال اللفظ فيها وضع له في العرف الذي وقع به التخاطب وهي أربعة: لغوية كاستعمال الإنسان في الحيوان الناطق. وشرعية كاستعمال لفظ الصلاة في الأفعال المخصوصة. وعرفية عامة كاستعمال لفظ الدابة في الحمار. وخاصة نحو استعمال لفظ الجوهر في المتحيز الذي لا يقبل القسمة.
الحقيقة مشتقة من الحق الذي هو الثابت لأنه يقابل به الباطل، فهو مرادف للموجود، وهي فعلية إما بمعنى فاعلة فيكون معناها الثابتة، أو مفعولة فيكون معناها المثبتة؛
لأن هذا هو شأن فعيل من غير فعل بضم العين يكون إما فاعلاً أو مفعولاً ويعدل عن ذلك إلى فعيل للمبالغة، وأما اسم الفاعل من فعُل فهو فعيل بأصالته من غير مبالغة، نحو ظرُف، فهو ظريف وشرُف فهو شريف، والتاء فيها للنقل عن الوصف إلى الاسمية؛ فإن العرب إذا وصفت بفعيل مؤنثاً ونطقت بالموصوف حذفت التاء اكتفاء بتأنيث الموصوف فيقولون امرأة قتيل وشاة نطيح. أما إذا حذفوا الموصوف أثبتوا التاء فيقولون رأيت قتيلة بني فلان ونطيحتهم لعدم ما يدل على التأنيث؛ فاحتاجوا لإظهاره نفياً للبس، ويكون الاسم هنا لا يعرف صفة فلذلك قيل التاء للنقل من الوصفية إلى الاسمية فهذا هو اصل الحقيقة ثم نقلت في عرف الأصوليين على اللفظة المستعملة فيما وضعت له فصارت مجازاص لغوياً حقيقة عرفية.
وكذلك المجاز أصله اسم مكان العبور أو زمانه أو مصدره فإن مفعلة
(1/42)
 
 
ومفعلاً (1) يصلح لهذه الثلاثة، ثم وضع في عرف الأصوليين للفظ المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة بينهما، فهو أيضاً مجاز لغوي حقيقة عرفية؛ فالحقيقة والمجاز مجازان لغويان حقيقتان عرفيتان.
وقولي في الكتاب: الحقيقة استعمال اللفظ في موضوعه، صوابه: اللفظة المستعملة أو اللفظ المستعمل، وفرق بين اللفظ المستعمل وبين استعمال اللفظ، فالحق أنها موضوعة للفظ المستعمل لا لنفس استعمال اللفظ، فالمقضي عليه بأنه حقيقة أو مجاز هو اللفظ الموصوف بالاستعمال المخصوص لا نفس الاستعمال، وقولي في العرف الذي وقع به التخاطب ليشمل الحقائق الأربعة المتقدم ذكرها بخلاف لو قلت هو اللفظ المستعمل فيما وضع له أولاً تناول الحقيقة اللغوية فقط، وقولي حقيقة شرعية له تفسيران الأول أن يقال إن حملة الشرع غلب استعمالهم للفظ الصلاة في الأفعال المخصوصة حتى بقي اللفظ لا يفهم منه إلا هذه العبارة المخصوصة وهذا لا نزاع فيه. والثاني: أن يقال إن صاحب الشرع وضع هذه الألفاظ لهذه العبارات، وفي هذه المسألة ثلاثة أقوال.
قال القاضي أبو بكر الباقلاني: لم يضع صاحب الشرع شيئاً وإنما استعمل الألفاظ في مسمياتها اللغوية ودلت الأدلة على أن تلك المسميات اللغوية لا بد معها من قيود زائدة حتى تصير شرعية. وقالت المعتزلة: بل تحدد هذه العبارات كمولود جديد يتحدد فلا بد له من لفظ يدل عليه. وقال الإمام فخرا لدين وطائفة معه: ما استعمل في المسمى اللغوي ولا نقل بل استعمل اللفظ في خصوص هذه العبارات على سبيل المجاز لأن الدعاء الذي هو
الصلاة لغة جزء الصلاة الشرعية؛ لأن فيها دعاء الفاتحة، ويبعد غاية البعد أن يكون قوله عليه الصلاة والسلام «لا يقبل الله صلاة بغير طهور» أن يكون مراده الدعاء من حيث هو دعاء.
وقال القاضي فتح هذا الباب يحصل غرض الشيعة من الطعن على الصحابة رضوان الله عليهم فإنهم يكفرون الصحابة، فإذا قيل إن الله تعالى وعد المؤمنين
_________
(1) في نسخة مخطوطة: فإن مفعلاً ومفعلاً بفتح العين في الأول وكسرها في الثاني.
(1/43)
 
 
بالجنة وهم قد أمنوا، يقولون إن الإيمان الذي هو التصديق صدر منهم، ولكن الشرع نقل هذا اللفظ على الطاعات وهم صدقوا وما أطاعوا في أمر الخلافة، فإذا قلنا إن الشرع لم ينقل استد هذا الباب الرديء، ولقوله تعالى «قرآناً عربياً» (1) وهذه الألفاظ موضوعة في القرآن فلو كانت منقولة لم يكن القرآن كله عربياً، وفي هذه المواطن مباحث كثيرة مستوعبة في شرح المحصول.
وأما الحقيقة العرفية العامة فهي التي غلب استعمالها في غير مسماها اللغوي، فإن الدابة اسم لمطلق ما دب فقصرها على الحمار في ارض مصر أو الفرس بأرض العراق وضع آخر، وهو حقيقة عرفية مجاز لغوي، وكذلك لفظ الغائط اسم المكان المطمئن من الأرض لغة ثم نقل للفضلة المخصوصة، والرواية اسم للجمل نقل للمزادة (2) وهي قسمان تارة يقع النقل لبعض أفراد الحقيقة اللغوية كالدابة، وتارة لأجنبي عنها كالنجو والرواية، والعرفية الخاصة سميت خاصة لاختصاصها ببعض الطوائف بخلاف الأولى عامة مثل الجواهر والعرض للمتكلمين، والنقض والكسر للفقهاء، والفاعل والمفعول للنحاة، والسبب والوتد للعروضيين.
والمجاز استعمال اللفظ في غير ما وضع له في العرف الذي وقع به التخاطب لعلاقة بينهما، وهو ينقسم بحسب الوضع إلى أربعة مجازات لغوي كاستعمال الأسد في الرجل الشجاع، وشرعي كاستعمال لفظ الصلاة في الدعاء، وعرفي عام كاستعمال لفظ الدابة في مطلق ما دب، وعرفي خاص كاستعمال لفظ الجوهر في النفيس.
لما تقرر أن الحقائق أربع كانت المجازات أربعة؛ فلفظ الدابة إذا استعمل في مطلق ما دب كان حقيقة لغوية مجازاً لغوياً، وإذا استعمل في الحمار كان حقيقة عرفية مجازاً لغوياً لأنه استعمال له في غير ما وضع له، ولفظ الصلاة إذا استعمل في الدعاء كان حقيقة لغوية مجازاً شرعاً لأنه استعمال في غير ما وضع له باعتبار الوضع الشرعي، وإن استعمل في
الأفعال المخصوصة كان حقيقة شرعية مجازاً لغوياً، وكذلك القول في لفظ الجوهر وكل ما يعرض من هذا الباب.
_________
(1) 113 طه.
(2) إزادة في الأصل: الراوية التي تملأ بالماء. قال أبو عبيد: لا تكون إلا من جلدين فأم بجلد ثالث بينهما.
(1/44)
 
 
والصحيح في حد المجاز أن يقال هذا اللفظ المستعمل ولا يقال هو استعمال اللفظ كما تقدم تقريره، وهذا هو الذي عليه جمهور العلماء في الإطلاق، والعبارة الأخرى قليلة في استعمالهم، وقولي فيا لعرف الذي وقع به التخاطب لأن اللفظ إنما يكون مجازاً بالنسبة إلى وضع مخصوص فإن لم يكن الخطاب باعتباره لا يتحقق المجاز كما تقدم تمثيله، فإنه قد يكون حقيقة باعتبار وضع آخر، والعلاقة لا بد منها وإلا كان منقولاً كجعفر فإنه النهر الصغير لغة ووضع للشخص المخصوص وليس مجازاً فيه لعدم العلاقة، وكذلك جميع المنقولات، وقولي بحسب الواضع أريد بالواضع اللغة والشرع والعرف العام والخاص.
وبحسب الموضوع له إلى مفرد نحو قولنا أسد للرجل الشجاع، وإلى مركب نحو قولهم:
أشاب الصغير وأفنى الكبير ... كر الفداة ومر العشي
فالتفردات حقيقة وإسناد الإشابة والإفناء إلى الكر والمر مجاز في التركيب، وغلى مفرد ومركب نحو قولهم أحياني اكتحالي بطلعتك فاستعمال الإحياء والاكتحال في السرور والرؤية مجاز في الإفراد وإضافة الإحياء إلى الاكتحال مجاز في التركيب فإنه مضاف إلى الله تعالى.
المجاز المفرد هو ن يكون فظاً موضوعاً (1) لمعنى مفرد فتحوله عن ذلك المفرد إلى مفرد آخر وتستعمله فيه فإن لفظ الأسد لمعنى مفرد وهو الأسد؛ فاستعماله في الرجل الشجاع وهو مفرد فكان المجاز مفرداً، وأعني بالمفرد ما ليس فيه إسناد خبري، والمجاز في التركيب أن يكون اللفظ في اللغة وضع ليركب مع لفظ معنى آخر فيركب مع لفظ غير ذلك المعنى فيكون مجازاً في التركيب كما تقول لفظ السؤال وضع ليركب مع لفظ من يصلح للإجابة نحو سألت زيداً، فلما ركب مع لفظ القرية التي لا تصلح للإجابة كان مجازاً في التركيب، ومن ذلك: غرق في العلم، وإنما يغرق في الماء، وأكلت الماء وإنما يؤكل الطعام وعلفتها ماء (2) وإنما يعلف التبن والشعير وقوله تعالى «حرمت عليكم أمهاتكم» (3) الآية. الجميع مجاز في التركيب لأن التحريم
_________
(1) في المخطوطة: هو أن يكون لفظه موضوعاً.
(2) ومنه قول الشاعر: ... علفتها تبناً وماءً بارداً ... حتى غدت همالة عيناها
(3) 23 النساء.
(1/45)
 
 
إنما وضع ليركب مع الأفعال دون
الذوات، وعلى هذه الطريقة يفهم مجاز التركيب. فقولهم أحياني أراد به سرني وهو من مجاز التشبيه، لأن الحياة توجب ظهور آثار في محلها وبهجته وكذلك المسرة، فأطلق على المسرة لفظ الحياة للمشابهة. وقوله اكتحالي يريد رؤيتي؛ عبر بلفظ الاكتحال عن الرؤية من مجاز التشبيه. لأن العين تشتمل على الكحل كما تشتمل على المرئي فلما تشابها أطلق لفظ أحدهما على الآخر مجازاً.
فهذا هو مجاز الإفراد، وجعل الاكتحال فاعلاً بالإحياء مجازاً ي التركيب لأن الإحياء لا يصدر عنه ولا يركب معه فلم يقل أحياه الكحل حقيقة وإلا لكان من مات يوضع في عينه الكحل فيعيش، فإذا قلت أحياه الله تعالى كان حقيقة في التركيب؛ لأن اللفظ ركب مع اللفظ الذي وضع للتركيب معه، ولا فرق في هذا الموضع بني الفاعل والمفعول والمضاف وغرها، فسرج الدار مجاز في التركيب وباب الدابة مجاز في التركيب، إلا أن تريد مطلق الإضافة لا أن الدار لها سرج تركب به، فإنه قد