علم أصول الفقه وخلاصة تاريخ التشريع ط المدني

عدد الزوار 255 التاريخ 15/08/2020

 
الكتاب: علم أصول الفقه وخلاصة تاريخ التشريع
المؤلف: عبد الوهاب خلاف (المتوفى: 1375هـ)
عدد الأجزاء: 1
مقدمة:
في موازنة عامة بين علم الفقه وعلم أصول الفقه من حيث التعريف بكل منهما. وبيان موضوعه، وغايته، ونشأته، وتطوره.
التعريف:
من المتفق عليه بين العلماء المسلمين على اختلاف مذاهبهم أن كل ما يصدر عن الإنسان من أقوال وأفعال سواء أكان من العبادات، أم المعاملات أم الجرائم أم الأحوال الشخصية، أم من أي نوع من أنواع العقود أو التصرفات له في الشريعة الإسلامية حكم، وهذه الأحكام بعضها بينتها نصوص وردت في القرآن أو السنة، وبعضها لم ينتبها نصوص في القرآن والسنة، ولكن أقامت الشريعة دلائل عليها ونصبت أمارات لها بحيث يستطيع المجتهد بواسطة تلك الدلائل والأمارات أن يصل إليها ويتبينها.
ومن مجموعة الأحكام الشرعية المتعلقة بما يصدر عن الإنسان من أقوال وأفعال، المستفادة من النصوص فيما وردت فيه نصوص والمستنبطة من الدلائل الشرعية الأخرى فيما لم ترد فيه نصوص تكون الفقه.
فعلم الفقه في الاصطلاح الشرعي: هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية، أو هو مجموعة من الأحكام الشرعية العلمية المستفادة من أدلتها التفصيلية.
وقد ثبت للعلماء بالاستقراء أن الأدلة التي تستفاد منها الأحكام الشرعية العملية ترجع إلى أربعة، القرآن والسنة والإجماع والقياس. وأن أساس هذه الأدلة
(1/13)
 
 
والمصدر التشريعي الأول منها هو القرآن ثم السنة التي فسرت مجمله وخصصت عامة، وقيدت مطلقه وكانت تبيانا له وتماما.
ولهذا بحثوا في كل دليل من هذه الأدلة وفي البرهان على أنه حجة على الناس، ومصدر تشريعي يلزمهم اتباع أحكامه، وفي شروط الاستدلال به، وفي أنواعه الكلية وفيما يدل عليه كل نوع منها من الأحكام الشرعية الكلية.
وبحثوا أيضا في الأحكام الشرعية الكلية التي تستفاد من تلك الأدلة وفيما يتوصل به إلى فهمها من النصوص، وإلى استنباطها من غير النصوص من قواعد لغوية وتشريعية. وبحثوا أيضا فيمن يتوصل إلى استمداد الأحكام من أدلتها وهو المجتهد فبينوا الاجتهاد وشروطه والتقليد وحكمه.
ومن مجموعة هذه القواعد والبحوث المتعلقة بالأدلة الشرعية من حيث دلالتها على الأحكام. وبالأحكام من حيث استفادتها من أدلتها ومما يتعلق بهذين من اللواحات، والمتممات تكونت أصول الفقه.
فعلم أصول الفقه في الاصطلاح الشرعي، هو العلم بالقواعد والبحوث التي يتوصل بها إلى الاستفادة من الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية. أو هي مجموعة القواعد والبحوث التي يتوصل بها إلى استفادة الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية.
الموضوع:
موضوع البحث في علم الفقه هو فعل المكلف من حيث ما يثبت له من الأحكام الشرعية: فالفقيه يبحث في بيع الملكف وإجارته، ورهنه وتوكيله وصلاته وصومه وحجه وقتله وقذفه، وسرقته وإقراره ووقفه لمعرفة الحكم الشرعي في كل فعل من هذه الأفعال.
وأما موضوع البحث في علم أصول الفقه، فهو الدليل الشرعي الكلي من حيث ما يثبت به من الأحكام الكلية، فالأصولي يبحث في القياس وحجيته. والعام وما يقيده، والأمر ما يدل عليه، وهكذا. وإيضاحا لهذا أضرب المثل الآتي: القرآن هو الدليل الشرعي الأول على الأحكام. ونصوصه التشريعية لم ترد على حال واحدة بل منها ما ورد بصيغة الأمر، ومنها ما ورد بصيغة النهي، ومنها ما ورد بصيغة العموم أو بصيغة الإطلاق. فصيغة الأمر، وصيغة النهي، وصيغة
(1/14)
 
 
العموم وصيغة الإطلاق، أنواع كلية من أنواع الدليل الشرعي العام. وهو القرآن. فالأصولي يبحث في كل نوع من هذه الأنواع ليتوصل إلى نوع الحكم الكيل الذي يدل عليه مستعينا في بحثه باستقراء الأساليب العربية والاستعمالات الشرعية. فإذا وصل ببحثه إلى أن صيغة الأمر تدل على الإيجاب وصيغة النهي تدل على التحريم، وصيغة العموم تدل على شمول جميع أفراد العام قطعا. وصيغة الإطلاق تدل على ثبوت الحكم مطلقا وضع القواعد الآتية: الأمر للإيجاب، النهي للتحريم، العام ينتظم جميع أفراده قطعا، المطلق يدل على الفرد الشائع بغير قيد.
وهذه القواعد الكلية وغيرها مما يتوصل الأصولي ببحثه إلى وضعها يأخذها الفقيه قواعد مسلمة ويطبقها على جزئيات الدليل الكلي ليتوصل بها إلى الحكم الشرعي العملي التفصيلي، فيطبق قاعدة: الأمر للإيجاب على قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} ويحكم على الإيفاء بالعقود بأنه واجب. ويطبق قاعدة: النهي للتحريم على قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ} ويحكم بأن سخرية قوم من قوم محرمة. ويطبق قاعدة: العام ينتظم جميع أفراده قطعا على قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} ويحكم بأن كل أم محرمة. ويطبق قاعدة المطلق يدل على أي فرد على قوله تعالى في كفارة الظهار {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} ويحكم بأنه يجزئ في التكفير أية رقبة مسلمة أو غير مسلمة.
ومن هذا يتبين الفرق بين الدليل الكلي والدليل الجزئي. وبين الحكم الكلي والحكم الجزئي.
فالدليل الكلي هو النوع العام من الأدلة الذي تندرج فيه عدة جزئيات مثل الأمر والنهي، والعام والمطلق، والإجماع الصريح والإجماع السكوتي، والقياس المنصوص على علته والقياس المستنبطة علته. فالأمر يندرج تحته جميع الصيغ التي وردت بصيغة الأمر، والنهي. فالأمر دليل كلي والنص الذي ورد على صيغة الأمر دليل جزئي. والنهي دليل كلي، والنص الذي ورد على صيغة النهي دليل جزئي.
وأما الحكم الكلي فهو النوع العام من الأحكام التي تندرج فيه عدة جزئيات مثل الإيجاب والتحريم والصحة والبطلان، فالإيجاب حكم كلي يندرج فيه إيجاب الوفاء بالعقود وإيجاب الشهود في الزواج وإيجاب أي واجب، والتحريم حكم كلي يندرج فيه تحريم الزنا والسرقة وتحريم أي محرم، وهكذا الصحة والبطلان فالإيجاب حكم كلي، وإيجاب فعل معين حكم جزئي.
(1/15)
 
 
والأصولي لا يبحث في الأدلة الجزئية، ولا فيما تدل عليه من الأحكام الجزئية. وإنما يبحث في الدليل الكلي، وما يدل عليه من حكم كلي ليضع قواعد كلية لدلالة الأدلة كي يطبقها الفقيه على جزئيات الأدلة لاستثمار الحكم التفصيلي منها. والفقيه لا يبحث في الأدلة الكلية ولا فيما يدل عليه من أحكام كلية، وإنما يبحث في الدليل الجزئي وما يدل عليه من حكم جزئي.
الغاية المقصودة بهما:
الغاية المقصودة من علم الفقه هي تطبيق الأحكام الشرعية على أفعال الناس وأقوالهم. فالفقه هو مرجع القاضي في قضائه والمفتي في فتواه ومرجع كل مكلف لمعرفة الحكم الشرعي فيما يصدر عنه من أقوال وأفعال. وهذه هي الغاية المقصودة من كل القوانين في أية أمة، فإنها لا يقصد منها إلا تطبيق موادها وأحكامها على أفعال الناس، وأقوالهم وتعريف كل مكلف بما يجب عليه وما يحرم عليه.
وأما الغية المقصودة من علم أصول الفقه فهي تطبيق قواعده ونظرياته على الأدلة التفصيلية للتوصل إلى الأحكام الشرعية التي تدل عليها. فبقواعده وبحوثه تفهم النصوص الشرعية ويعرف ما تدل عليه من الأحكام ويعرف ما يزال به خفاء الخفي منها. وما يرجع منها عند تعارض بعضها ببعض، وبقواعده وبحوثه يستنبط الحكم بالقياس أو الاستحسان أو الاستصحاب، أو غيرها في الواقعة التي لم يرد نص بحكمها، وبقواعده وبحوثه يفهم ما استنبطه الأئمة المجتهدون حق فهمه. ويوازن بين مذاهبهم المختلفة في حكم الواقعة الواحدة؛ لأن فهم الحكم على وجهه والموازنة بين حكمين مختلفين لا يكون إلا بالوقوف على دليل الحكم ووجه استمداد الحكم من دليل، ولا يكون هذا إلا بعلم أصول الفقه فهو عماد الفقه المقارن.
نشأة كل منهما وتطوره:
نشأت أحكام الفقه مع نشأة الإسلام؛ لأن الإسلام هو مجموعة من العقائد والأخلاق والأحكام العملية، وقد كانت هذه الأحكام العملية في عهد الرسول مكونة من الأحكام التي وردت في القرآن. ومن الأحكام التي صدرت من الرسول فتوى في واقعة أو قضاء في خصومة أو جوابا عن سؤال، فكانت مجموعة الأحكام الفقهية في طورها الأول مكونة من أحكام الله ورسوله، ومصدرها القرآن والسنة.
(1/16)
 
 
وفي عهد الصحابة واجهتهم وقائع وطرأت لهم طوائ لم تواجه المسلمين، ولم تطرأ في عهد الرسول، فاجتهد فيها أهل الاجتهاد منهم وقضوا وأفتوا وشرعوا، وأضافوا إلى المجموعة الأولى عدة أحكام استنبطوها باجتهادهم، فكانت مجموعة الأحكام الفقهية في طورها الثاني مكونة من أحكام الله ورسوله، وفتاوى الصحابة وأقضيتهم. ومصادرها القرآن والسنة. واجتهاد الصحابة -وفي هذين الطورين لم تدون هذه الأحكام ولم تشرع أحكام لوقائع فرضية بل كان التشريع فيهما لما حدث فعلا من الواقع وما وقع من حوادث. ولم تأخذ هذه الأحكام صبغة علمية بل كانت مجرد حلول جزئية لوقائع فعلية، ولم تسم هذه المجموعة علم الفقه ولم يسم رجالها من الصحابة الفقهاء.
وفي عهد التابعين وتابعي التابعين والأئمة المجتهدين، وهو بالتقريب القرنان الهجريان الثاني، والثالث اتسعت الدولة الإسلامية ودخل في الإسلام كثيرون من غير العرب. وواجهت المسلمين طارئ ومشاكل وبحوث ونظريات، وحركة عمرانية وعقلية حملت المجتهدين على السعة في الاجتهاد والتشريع لكثير من الوقائع، وفتحت لهم أبوابا من البحث والنظر، فاتسع ميدان التشريع للأحكام الفقهية وشرعت أحكام كثيرة لوقائع فرضية، وأضيفت إلى المجموعتين السابقتين أحكام كثيرة فكانت مجموعة الأحكام الفقهية في طورها الثالث مكونة من أحكام الله ورسوله، وفتاوى المجتهدين واستنباطهم ومصادرها القرآن والسنة، واجتهاد الصحابة والأئمة المجتهدين. وفي هذا العهد بدئ بتدوين هذه الأحكام مع البدء بتدوين السنة، واصطبغت الأحكام بالصبغة العلمية؛ لأنها ذكرت معها أدلتها وعللها والأصول العامة التي تتفرع عنها. وسمى جالها الفقهاء وسمى العلم بها علم الفقه. ومن أول ما دون فيها فيما وصل إلينا "الموطأ" للإمام مالك بن أنس، فإنه جمع فيه بناء على طلب الخليفة المنصور ما صح عنده من السنة ومن فتاوى الصحابة والتابعين وتابعيهم، فكان حديث وفقه وهو أساس فقه الحجازيين، ثم دون الإمام أبو يوسف صاحب أبي حنيفة عدة كتب في الفقه هي أساس فقه العراقيين، ودون الإمام محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة كتب ظاهر الرواية الستة التي جمعها الحاكم الشهيد في كتابه "الكافي"، وشرحه السرخسي في كتابه "المبسوط" وهي مرجع فقه المذهب الحنفي، وأملى الإمام محمد بن إدريس الشافعي بمصر كتابه "الأم" وهو عماد فقه المذهب الشافعي.
(1/17)
 
 
أما علم أصول الفقه فلم ينشأ إلا في القرن الثاني الهجري؛ لأنه في القرن الهجري الأول لم تدع حاجة إليه، فالرسول كان يفتي ويقضي بما يوحي به إليه ربه من القرآن، وبما يلهم به من السنن. وبما يؤديه إليه اجتهاده الفطري من غير حاجة إلى أصول وقواعد يتوصل بها إلى الاستنباط والاجتهاد، وأصحابه كانوا يفتون ويقضون بالنصوص التي يفهمونها بملكتهم العربية السليمة من غير حاجة إلى قواعد لغوية يهتدون بها إلى فهم النصوص. ويستنبطون فيما لا نص فيه بملكتهم التشريعية التي ركزت في نفوسهم من صحبتهم الرسول. ووقوفهم على أسباب نزول الآيات وورود الأحاديث، وفهمهم مقاصد الشارع ومبادئ التشريع، ولكن لما اتسعت الفتوح الإسلامية واختلط العرب العرب بغيرهم، وتشافهوا وتكاتبوا ودخل في العربية كثير من المفردات والأساليب غير العربية ولم تبق الملكة اللسانية على سلامتها وكثرت الاشتباهات والاحتمالات في فهم النصوص -دعت الحاجة إلى وضع ضوابط وقواعد لغوية يقتدر بها على فهم النصوص كما يفهمها العربي الذي وردت النصوص بلغته. كما دعت إلى وضع قواعد نحوية يقتدر بها على صحة النطق.
وكذلك لما بعد العهد بفجر التشريع، واحتدام الجدال بين أهل الحديث وأهل الرأي، واجترأ بعض ذوي الأهواء على الاحتجاج بما لا يحتج به وإنكار بعض ما يحتج به، دعا كل هذا إلى وضع ضوابط وبحوث في الأدلة الشرعية وشروط الاستدلال بها وكيفية الاستدلال بها، ومن مجموعة هذه البحوث الاستدلالية وتلك الضوابط اللغوية تكون علم أصول الفقه.
ولكنه بدأ صغيرًا كما يوجد كل مولود أول نشأته ثم تدرج في النمو حتى بلغت أسفاره المائتين، بدأ منثورًا مفرقا من خلال أحكام الفقه؛ لأن كل مجتهد من الأئمة الأربعة وغيرهم كان يشير إلى دليل حكمه ووجه استدلاله به، وكل مخالف كان يحتج على مخالفة بوجوه من الحجج. وكل هذه الاستدلالات والاحتجاجات تنطوي على ضوابط أصولية.
وأول من جمع هذه هذه المتفرقات مجموعة مستقلة في سفر على حدة، الإمام أبو يوسف صاحب أبي حنيفة كما ذكر ابن النديم في الفهرست ولكن لم يصل إلينا ما كتبه.
(1/18)
 
 
وأول من دون من قواعد هذا العلم وبحوثه مجموعة مستقلة مرتبة مؤيدا كل ضابط منها بالبرهان، ووجهه النظر فيه الإمام محمد بن إدريس الشافعي المتوفى سنة 204 للهجرة. فقد كتب فيه رسالته1 الأصولية التي رواها عنه صاحبه الربيع المرادي، وهي أول مدون في هذا العلم وصل إلينا فيما نعلم، ولهذا اشتهر على ألسنة العلماء أن واضع أصول علم أصول الفقه هو الإمام الشافعي.
وتتابع العلماء على التأليف في هذا العلم بين إسهاب وإيجاز.
وقد سلك علماء الكلام طريقا في التأليف في هذا العلم، وسلك علماء الحنفية طريقًا آخر في التأليف فيه.
فأما علماء الكلام فتمتاز طريقتهم بأنهم حققوا قواعد هذا العلم وبحوثه تحقيقا منطقيا نظريا وأثبتوا ما أيده البرهان، ولم يجعلوا وجهتهم انطباق هذه القواعد على ما استنبطه الأئمة المجتهدون من الأحكام ولا ربطها بتلك الفروع، فما أيده العقل وقام عليه البرهان فهو الأصل الشرعي سواء أوافق الفروع المذهبية أم خالفها. ومن هؤلاء أكثر الأصوليين من الشافعية والمالكية. ومن أشهر الكتب الأصولية التي ألفت على هذه الطريقة كتاب المستصفى لأبي حامد الغزالي الشافعي المتوفى سنة 505، وكتاب الأحكام لأبي حسن الآمدي الشافعي المتوفى سنة 685هـ، وأحسن شروحه شرح الأسنوي.
وأما علماء الحنفية فتمتاز طريقته بأنهم وضعوا القواعد، والبحوث الأصولية التي رأوا أن أئمتهم بنوا عليها اجتهادهم، فهم لا يثبتون قواعد عملية تفرعت عنها أحكام أئمتهم. ورائدهم في تحقيق هذه القواعد الأحكام التي استنبطها أئمتهم بناء عليها لا مجرد البرهان النظري. ولهذا أكثروا في كتبهم من ذكر الفروع. صاغوا في بعض الأحيان القواعد الأصولية على ما يتفق وهذه الفروع، فكانت وجهتهم استمداد أصول فقه أئمتهم من فروعهم. ومن أشهر الكتب الأصولية التي ألفت على هذه الطريقة أصول أبي زيد الدبوسي المتوفى سنة 430هـ. وأصول فجر الإسلام البزدوي المتوفى سنة 430هـ. وكتاب المنار للحفظ النسفي المتوفى سنة 790هـ، وأحسن شروحه مشكاة الأنوار.
__________
1 هذه الرسالة مطبوعة بالمطبعة الأميرية ومطبوعة بالمطبعة الحلبية.
(1/19)
 
 
وقد سلك بعض العلماء في التأليف في هذا العلم طريقا جامعًا بين الطريقتين السابقتين فعنى بتحقيق القواعد الأصولية وإقامة البراهين عليها. وعنى كذلك بتطبيقها على الفروع الفقهية وربطها بها.
ومن أشهر الكتب الأصولية التي ألفت على هذه الطريقة المزدوجة كتاب بديع النظام الجامع بين البزدوي والأحكام لمظفر الدين البغدادي الحنفي المتوفى سنة 694هـ، وكتاب التوضيح لصدر الشريعة، والتحرير للكامل بن الهمام. وجمع الجوامع لابن السبكي.
ومن المؤلفات الحديثة الموجزة المفيدة في هذا العلم:
- كتاب "إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول" للإمام الشوكاني المتوفى سنة 1250هـ.
- وكتاب "أصول الفقه" للمرحوم الشيخ محمد الخضري بك المتوفى سنة 1927م.
- وكتاب "تسهيل الوصول إلى علم الأصول" للمرحوم الشيخ محمد عبد الرحمن عيد المحلاوي المتوفى سنة 1920م.
ونحمد الله الذي وفقنا إلى الاطلاع على الكثير من هذه الكتب، وهدانا إلى هذه الخلاصة الوافية التي بينا فيها مصادر التشريع الإسلامي أجلى بيان وكشفنا عن مرونتها وخصوبتها وسعتها. وبينا فيها مباحث الأحكام بيانا قرب فهمها وجلى حكمة الشارع فيما شرعه. وصغنا فيها البحوث اللغوية والتشريعية بصيغة القواعد ليسهل فهمها وتطبيقها، وراعينا في الأمثلة التطبيقية أن تكون من النصوص الشرعية، ومن قوانيننا الوضعية ليعرف كيف ينتفع عملا بهذا العلم، وأشرنا في كثير من المواضيع إلى المقارنة بين أصول الأحكام الشرعية وأصول القوانين الوضعية ليتبين أن مقصد الاثنين واحد وهو الوصول إلى فهم الأحكام من نصوصها فهما صحيحا، وتحقيق مقاصد الشارع مما شرعه، وتأمين نصوص القوانين من العبث بها، وأهم ما ألفت النظر إليه أن بحوث علم أصول الفقه، وقواعده ليست بحوثا وقواعد تعبدية، وإنما هي أدوات ووسائل يستعين بها المشرع على مراعاة المصلحة العامة، والوقوف عند الحد الإلهي في تشريعه. ويستعين بها
(1/20)
 
 
القاضي في تحري العدل في قضائه وتطبيق القانون على وجهه. فهي ليست خاصة بالنصوص الشرعية والأحكم الشرعية.
تنبيه: تعريف العلم، وموضوعه، وغايته، ومنشؤه، ونسبته إلى سائر العلوم. ووضعه وحكم الشرع فيه، ومسائله، هذه كلها تسمى مبادئ العلم.
وهي تكون للعلم صورة إجمالية تجعل من يشرع في دراسته ملمًّا به. ولهذا اعتاد المؤلفون أن يقدموا مؤلفهم في العلم بمقدمة في بيان مبادئه. وقد ألف كثير من العلماء رسائل خاصة في مبادئ العلوم، ومنها رسالة مطبوعة صغيرة الحجم كبيرة الفائدة للمرحوم الشيخ علي رجب الصالحي اسمها تحقيق مبادئ العلوم الأحد عشر. وابن خلدون في المقدمة كتب في القسم الأخير منها فصولا ممتعة في العلوم الشرعية واللغوية والعقلية، يبين فيها تعريف كل علم ونشأته وتطوره.
(1/21)
 
 
القسم الأول: في الأدلة الشرعية
مدخل
...
القسم الأول: في الأدلة الشرعية
تعريف الدليل:
الدليل معناه في اللغة العربية: الهادي إلى أي شيء حسي أو معنوية، خير أو شر -وأما معناه في اصطلاح الأصوليين فهو: ما يستدل بالنظر الصحيح فيه على حكم شرعي عملي على سبيل القطع أو الظن. وأدلة الأحكام، وأصول الأحكام، والمصادر التشريعية للأحكام، ألفاظ مترادفة معناها واحد.
وبعض الأصوليين عرف الدليل بأنه: ما يستفاد منه حكم شرعي عملي على سبيل القطع. وأما ما يستفاد منه حكم شرعي على سبيل الظن، فهو أمارة لا دليل. ولكن المشهور في اصطلاح الأصوليين أن الدليل هو ما يستفاد منه حكم شرعي عملي مطلقا، أي سواء أكان على سبيل القطع أم على سبيل الظن. ولهذا قسموا الدليل إلى قطعي الدلالة، وإلى ظني الدلالة.
الأدلة الشرعية بالإجمال:
ثبت بالاستقراء1 أن الأدلة الشرعية التي تستفاد منها الأحكام العملية ترجع إلى أربعة: القرآن والسنة والإجماع والقياس، وهذه الأدلة الأربعة اتفق جمهور المسلمين على الاستدلال بها، واتفقوا أيضا على أنها مرتبة في الاستدلال بهذا الترتيب: القرآن، فالسنة، فالإجماع، فالقياس. أي إنه إذا عرضت واقعة، نظر أولا في القرآن، فإن وجد فيه حكمها أمضى، وإن لم يوجد فيه حكمها، نظر في السنة، فإن وجد فيه حكمها أمضى، وإن لم يوجد فيها حكمها نظر هل أجمع المجتهدون في عصر من العصور على حكم فيها، فإن وجد أمضى، وإن لم يوجد فيها اجتهد في الوصول إلى حكمها بقياسها على ما ورد النص بحكمه.
أما البرهان على الاستدلال بها فهو قوله تعالى في سورة النساء: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} .
__________
1 الاستقراء: حصر الأدلة.
(1/24)
 
 
فالأمر بإطاعة الله ورسوله، أمر باتباع القرآن والسنة، والأمر بإطاعة أولي الأمر من المسلمين أمر باتباع ما اتفقت عليه كلمة المجتهدين من الأحكام؛ لأنهم أولو الأمر التشريعي من المسلمين، والأمر برد الوقائع المتنازع فيها إلى الله والرسول أمر باتباع القياس حيث لا نص ولا إجماع؛ لأن القياس فيه رد المتنازع فيه إلى الله وإلى الرسول؛ لأنه إلحاق واقعة لم يرد نص بحكمها بواقعة ورد النص بحكمها في الحكم الذي ورد به النص لتساوي الواقعتين في علة الحكم، فالآية تدل على اتباع هذه الأربعة.
وأما الدليل على ترتيبها في الاستدلال بها هذا الترتيب، فهو ما رواه البغوي "عن معاذ بن جبل أن رسول الله، لما بعثه إلى اليمن قال: "كيف تقضي إذا عرض لك قضاء"؟ قال: أقضي بكتاب الله. قال: "فإن لم تجد في كتاب الله"؟ قال: فبسنة رسول الله. قال: "فإن لم تجد في سنة رسول الله"؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو، "أي لا أقصر في اجتهادي". قال: فضرب رسول الله على صدره وقال: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله". وما رواه البغوي عن ميمون بن مهران قال: "كان أبو بكر إذا ورد عليه الخصوم نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي بينه قضى به، وإن لم يكن في الكتاب وعلم عن رسول الله في ذلك الأمر سنة قضى بها فإن أعياه أن يجد سنة رسول الله جمع رءوس الناس وخيارهم فاستشارهم، فإن أجمع رأيهم على أمر قضى به، وكذلك كان يفعل عمر"، وأقرهما على هذا كبار الصحابة ورءوس المسلمين، ولم يعرف بينهم مخالف في هذا الترتيب.
وتوجد أدلة أخرى عدا هذه الأدلة الأربعة لم يتفق جمهور المسلمين على الاستدلال بها، بل منهم من استدل بها على الحكم الشرعي، ومنهم من أنكر الاستدلال بها. وأشهر هذه الأدلة المختلفة في الاستدلال بها ستة: الاستحسان والمصلحة المرسلة، والاستصحاب، والعرف، ومذهب الصحابي، وشرع من قبلنا. فجملة الأدلة الشرعية عشرة. أربعة متفق من جمهور المسلمين على الاستدلال بها -وستة مختلف في الاستدلال بها، وهذا تفصيل البحث فيها جميعها.
(1/25)
 
 
الدليل الأول: القرآن
1- خواصه.
2- حجيته.
3- أنواع أحكامه.
4- دلالة آياته إما قطعية وإما ظنية.
خواصه:
القرآن1 هو كلام الله الذي نزل به الروح الأمين على قلب رسول الله محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم- بألفاظه العربية ومعانيه الحقة، ليكون حجة للرسول على أنه رسول الله، ودستورا يهتدون بهداه، وقربة يتعبدون بتلاوته. وهو المدون بين دفتي المصحف، المبدوء بسورة الفاتحة، المختوم بسورة الناس، المنقول إلينا بالتواتر كتابة ومشافهة جيلا عن جيل محفوظا من أي تغيير أو تبديل مصداق قول الله سبحانه فيه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} .
فمن خواص القرآن أن ألفاظه ومعانيه من عند الله. وأن ألفاظه العربية هي التي أنزلها الله على قلب رسوله. والرسول ما كان إلا تاليا لها ومبلغا إياها. ويتفرع عن هذا ما يأتي:
أ- ما ألهم الله به رسوله من المعاني ولم ينزل عليه ألفاظها بل عبر الرسول بألفاظ من عنده عما ألهم به لا يعد من القرآن ولا تثبت له أحكام القرآن، وإنما هو من أحاديث الرسول. وكذلك الأحاديث القدسية وهي الأحاديث التي قالها الرسول فيما يرويه عن ربه لا تعد من القرآن، ولا تثبت لها أحكام القرآن فلا تكون في مرتبة الحجية، ولا تصح الصلاة بها، ولا يتعبد بتلاوتها.
ب- تفسير سورة أو آية بألفاظ عربية مرادفة لألفاظ القرآن دالة على ما دلت عليه ألفاظه لا يعد قرآنا مهما كان مطابقا للمفسر في دلالته؛ لأن القرآن ألفاظ عربية خاصة أنزلت من عند الله.
__________
1 لفظ القرآن في اللغة العربية مصدر قرأ كالغفران مصدر غفر يقال: قراءة وقرآنا، ومنه قوله تعالى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} .
(1/26)
 
 
جـ- ترجمة سورة أو آية بلغة أجنبية غير عربية لا تعد قرآنا مهما روعي من دقة الترجمة، وتمام مطابقتها للمترجم في دلالته؛ لأن القرآن ألفاظ عربية خاصة أنزل من عند الله. نعم لو كان تفسير القرآن أو ترجمته يتم بواسطة من يوثق بدينه وعلمه وأمانته وحذقه يسوغ أن يعتبر هذا التفسير أو هذه الترجمة بيانا لما دل عليه القرآن، ومرجعا لما جاء به ولكن لا يعتبر هو القرآن ولا تثبت له أحكامه، فلا يحتج بصيغة عبارته وعموم لفظه وإطلاقه؛ لأن ألفاظه عباراته ليست ألفاظ القرآن ولا عبارته، ولا تصح الصلاة به1 ولا يتعبد بتلاوته.
ومن خواصه أنه منقول بالتواتر أي بطريق النقل الذي يفيد العلم والقطع بصحة الرواية. ويتفرع عن هذا أن بعض القراءات التي تروي بغير طريق التواتر كما يقال: وقرأ بعض الصحابة كذا لا تعد من القرآن ولا تثبت لها أحكامه.
حجيته:
البرهان على أن القرآن حجة على الناس، وأن أحكامه قانون واجب عليهم ابتاعه أنه من عند الله وأنه نقل إليهم عن الله بطريق قطعي لا ريب في صحته، أما البرهان على أنه من عند الله فهو إعجازه الناس عن أن يأتوا بمثله.
معنى الإعجاز وأركانه:
الإعجاز: معناه في اللغة العربية نسبة العجز إلى الغير وإثباته له، يقال: أعجز الرجل أخاه إذا أثبت عجزه عن شيء. وأعجز القرآن الناس أثبت عجزهم عن أن يأتوا بمثله.
ولا يتحقق الإعجاز أي إثبات العجز للغير إلا إذا توافرت أمور ثلاثة:
الأول: التحدي، أي طلب المبادرة والمعارضة، والثاني: أن يوجد المقتضي الذي يدفع المتحدي إلى المبادرة والمنازلة والمعارضة، والثالث أن ينتفي المانع الذي يمنعه من هذه المبادرة.
__________
1 وما نقل عن الإمام أبي حنيفة من أنه جوز قراءة القرآن في الصلاة بالفارسية لا يدل على أن الترجمة قرآة، وتثبت له أحكامه؛ لأن أبا حنيفة إنما جوز قراءة بالفارسية في الصلاة لمن لا يعرف العربية ولا يقدر على القراءة بها؛ لأنه في هذه الحال سقط عنه فرض القراءة للقرآن، فإذا قرأ بلغته فهو ذكر الله ولا مانع مه. وقد روي أن أبا حنيفة رجع عن هذا، وروي ما ذهب إليه سائر الأئمة من أن العاجز عن النطق بالعربية يصلي ساكتا، ولا يكلف بقراءة القرآن إذ لا تكليف إلا بمقدور كما يصلي قاعدا إذا عجز عن القيام.
(1/27)
 
 
فإذا ادعى رياضي أنه بطل نوع من أنواع الرياضة وأنكر عليه دعواه رياضي آخره، فتحدى مدعي البطولة من أنكر عليه وطلب منه أن يباريه أو أن يأتي بمن يباريه، وهذا المنكر مع شدة حرصه على إبطال دعوى هذا المدعي، ومع أنه ليس به أي مرض ولا له أي عذر يمنعه عن مباراته وعن الإتيان بمن يباريه لم يتقدم لمباراته ولم يأت بمن يباريه، فإن هذا اعتراف منه بالعجز وتسليم بالدعوى.
والقرآن الكريم توافر فيه التحدي به. ووجد المقتضي لمن تحدوا به أن يعارضوه، وانتفى المانع لهم، ومع هذا لم يعارضوه ولم يأتوا بمثله.
أما التحدي فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال للناس: "إني رسول الله. وبرهاني على أني رسول الله، هذا القرآن الذي أتلوه عليكم؛ لأنه أوحي إلي به من عند الله"، فلما أنكروا عليه دعواه، قال لهم: "إن كنتم في ريب من أنه من عند الله وتبادر إلى عقولكم أنه من صنع البشر فأتوا بمثله، أو بعشر سور مثله أو بسورة من مثله"، وتحداهم وطلب منهم هذه المعارضة بلهجات واخزة وألفاظ قارعة وعبارات تهكمية تستفز العزيمة وتدعو إلى المباراة، وأقسم أنهم لا يأتون بمثله ولن يفعلوا ولن يستجيبوا ولن يأتوا بمثله.
قال تعالى في سورة القصص: {قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ} . وقال تعالى في سورة الإسراء: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} . وقال سبحانه في سورة هود: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} . وقال في سورة البقرة: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} . وقال في سورة الطور: {أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ، فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ} .
وأما وجود المقتضي للمباراة والمعارضة عند من تحداهم فهذا أظهر من أن يحتاج إلى بيان؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- ادعى أنه رسول الله وجاءهم بدين يبطل دينهم، وما وجدوا عليه آباءهم وسفه عقولهم، وسخر من أوثانهم واحتج على دعواه بأن
(1/28)
 
 
القرآن من عند الله وتحداهم أن يأتوا بمثله، فما كان أحوجهم وأشد حرصهم على أن يأتوا بمثله كله أو بعضه ليبطلوا أنه من عند الله وليدحضوا حجة محمد على أنه رسول الله، وبهذا ينصرون آلهتهم ويدافعون عن دينهم ويجتنبون ويلات الحروب.
وأما انتفاء ما يمنعهم من معارضته؛ فلأن القرآن بلسان عربي، وألفاظه من أحرف العرب الهجائية، وعباراته على أسلوب العرب، وهم من أهل البيان وفيهم ملوك الفصاحة وقادة البلاغة، وميدان سباقهم مملوء بالشعراء والخطباء والفصحاء في مختلف فنون القول. هذا من الناحية اللفظية، وأما من الناحية المعنوية فقد نطقت أشعارهم وخطبهم وحكمهم، ومناظراتهم بأنهم ناضجو العقول، ذوو بصر بالأمور وخبرة بالتجاريب، وقد دعاهم القرآن في تحديه لهم أن يستعينوا بمن شاءوا ليستكملوا ما ينقصهم ويتموا عدتهم، وفيهم الكهان وأهل الكتاب. وأما من الناحية الزمنية، فالقرآن لم ينزل جملة واحدة حتى يحتجوا بأن زمنهم لا يتسع للمعارضة بل نزل مفرقا في ثلاث وعشرين سنة بين كل مجموعة وأخرى زمن في متسع للمعارضة والإتيان بمثلها لو كان في مقدورهم.
فلا ريب أن الله سبحانه بلسان رسوله في كثير من الآيات تحدى الناس أن يأتوا بمثل القرآن، وأنهم مع شدة حرصهم وتوافر دواعيهم إلى أن يأتوا بمثله، وانتفاء ما يمنعهم لم يأتوا بمثله، ولو جاءوا بمثله وعارضوه لنصروا آلهتهم وأبطلوا حجة من سخر منهم وكفوا أنفسهم شر القتال والنضال، والغزوات عدة سنين. فالتجاؤهم إلى المحاربة بدل المعارضة، وائتمارهم على قتل الرسول بدل ائتمارهم على الإتيان بمثل قرآنه اعتراف منهم بعجزهم عن معارضته وتسليم أن هذا القرآن فوق مستوى البشري، ودليل على أنه من عند الله.
وجوه إعجاز القرآن:
ولكن لماذا عجزوا، وما وجوه الإعجاز؟
اتفقت كلمة العلماء على أن القرآن لم يعجز الناس عن أن يأتوا بمثله من ناحية واحدة معينة، وإنما أعجزهم من نواحي متعددة، لفظية ومعنوية وروحية، تساندت وتجمعت فأعجزت الناس أن يعارضوه. واتفقت كلمتهم أيضا على أن العقول لم تصل حتى الآن إلى إدراك نواحي الإعجاز كلها، وحصرها في وجوه
(1/29)
 
 
معدودات. وأنه كلما زاد التدبر في آيات القرآن، وكشف البحث العلمي عن أسرار الكون وسنه، وأظهر كر السنين عجائب الكائنات الحية وغير الحية تجلت نواح من نواحي إعجازه، وقام البرهان على أنه من عند الله.
وهذه ذكر بعض ما وصلت إليه العقول من نواحي الإعجاز:
أولها: اتساق عباراته ومعانيه وأحكامه ونظرياته:
تكون القرآن من ستة آلاف آية. وعبر عما قصد إلى التعبير عنه بعبارات متنوعة وأساليب شتى. وطرق وموضوعات متعددة اعتقادية وخلقية وتشريعية، وقرر نظريات كثيرة، كونية واجتماعية ووجدانية. ولا تجد في عباراته اختلافا بين بعضها والبعض. فليس أسلوب هذه الآية بليغا وأسلوب الأخرى غير بليغ، وليس هذا اللفظ فصيحا، وذاك اللفظ غير فصيح. ولا توجد عبارة أرقى مستوى في بلاغتها من عبارة، بل كل عبارة مطابقة لمقتضى الحال الذي وردت من أجله. وكل لفظ في موضوعه الذي ينبغي أن يكون فيه.
كما لا تجد معنى من معانيه يعارض معنى، أو حكما يناقض حكما، أو مبدأ يهدم مبدأ، أو غرضا لا يتفق وآخر. فكما أنه لا خلاف بين عباراته وألفاظه، لا خلاف بين معانيه وأحكامه. ولا بين مبادئه ونظرياته، ولو كان صادرا من عند غير الله أفرادًا أو جماعات ما سلم من اختلاف بعض عباراته وبعض، أو اختلاف بعض معانيه وبعض؛ لأن العقل الإنساني مهما نضج وكمل لا يمكنه أن يكون ستة آلاف آية في ثلاث وعشرين سنة لا تختلف آية منها عن أخرى في مستوى بلاغتها، ولا تعارض آية منها آية أخرى فيما اشتملت عليه. وإلى هذا الوجه من وجوه الإعجاز أرشد الله سبحانه وتعالى بقوله في سورة النساء: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} .
وما يوجد من اختلاف في الأسلوب بين بعض الآيات وبعض، أو اختلاف أسلوب الآيات في مستوى البلاغة فليس منشؤه اختلاف أسلوب الآيات في مستوى البلاغة، وإنما منشؤه اختلاف موضوع الآيات. فإذا كان الموضوع تقنينا وتبيينا لعدة المطلقة أو نصيب الوارث من الإرث أو مصرف الصدقات أو غير من الأحكام هذا لا مجال فيه للأسلوب الخطابي المؤثر، والذي يطابقه هو الألفاظ
(1/30)
 
 
الدقيقة المحددة. وإذا كان الموضوع تسفيها لعبادة الأوثان، أو بيانا لفيضان الطوفان أو استدلالا على قدرة الله، أو تذكيرا بنعمه على عباده، أو تخويفا بشدائد اليوم الآخر، فهذه فيها مجال للأسلوب الخطابي المؤثر المحرك للوجدان فاستعمال الألفاظ المحددة حيث يقتضي المقام الأسلوب الخطابي ليس من البلاغة؛ لأن البلاغة هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال ولكل مقام مقال. وما يوجد من تعارض ظاهري بين ما دلت عليه بعض الآيات، وما دلت عليه أخرى فقد بين المفسرون أنه ليس تعارضًا إلا فيما يظهر لغير المتأمل، وعند التمل يتبين أنه لا تعارض، ومن أمثلة هذا قوله تعالى: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} مع قوله سبحانه: {قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} . وقوله تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} ، مع الآيات الدالة على أن الله لا يأمر بالسوء والفحشاء، فكل ما ظاهره التعارض من آيات القرآن فهو بعد البحث متفق متسق لا اختلاف فيه، ولو كان من عند الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا.
وثانيا: انطباق آياته على ما يكشفه العلم من نظريات علمية:
القرآن أنزله الله على رسوله ليكون حجة له ودستورا للناس، ليس من مقاصده الأصلية أن يقرر نظريات علمية في خلق السماوات والأرض وخلق الإنسان وحركات الكواكب وغيرها من الكائنات، ولكنه في مقام الاستدلال على وجود الله ووحدانيته، وتذكير الناس بآلائه ونعمه، ونحو هذا من الأغراض، جاء بآيات تفهم منها سنن كونية ونواميس طبيعية كشف العلم الحديث في كل عصر براهينها، ودل على أن الآيات التي لفتت إليها من عند الله؛ لأن الناس ما كان لهم بها من علم وما وصلوا إلى حقائقها، وإنما كان استدلالهم بظواهرها، فكلما كشف البحث العلمي سنة كونية وظهر أن آية في القرآن أشارت إلى هذه السنة قام برهان جديد على أن القرآن من عند الله. وإلى هذا الوجه من وجوده الإعجاز أرشد الله سبحانه وتعالى بقوله في سورة فصلت: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ، سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} .
(1/31)
 
 
ومن هذه الآيات قوله تعالى في سورة النمل في مقام الاستدلال على قدرته ولفت النظر إلى آثاره: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} . وقوله تعالى: {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ} ، وقوله: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} . وقوله: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ، بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ} ، وقوله: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} 1. وبعض الباحثين لا يرتضون الاتجاه إلى تفسير آيات القرآن بما يقرره العلم من نظريات ونواميس. وحجتهم أن آيات القرآن لها مدلولات ثابتة مستقرة لا تتبدل والنظريات العلمية قد تتغير وتتبدل، وقد يكشف البحث الجديد خطأ نظرية قديمة. ولكني لا أرى هذا الرأي؛ لأن تفسير آية قرآنية بما كشفه العلم من سنن كونية ما هو إلا فهم للآية بوجه من وجوه الأدلة على ضوء العلم. وليس معنى هذا أن الآية لا تفهم إلا بهذا الوجه من الوجوه، فإذا ظهر خطأ النظرية ظهر خطأ فهم الآية على ذلك الوجه لا خطأ الآية نفسها، كما يفهم حكم من آية، ويتبين خطأ فهمه بظهور دليل على هذا الخطأ.
وثالثها: إخباره بوقائع لا يعلمها إلا علام الغيوب:
أخبر القرآن عن وقوع حوادث في المستقبل لا علم لأحد من الناس بها، كقوله تعالى: {الم، غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ} . وقوله سبحانه: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} .
وقص القرآن قصص أمم بائدة ليست بها آثار ولا معالم تدل على أخبارها وهذا دليل على أنه من عند الله الذي لا تخفى عليه خافية في الحاضر والماضي والمستقبل، وإلى هذا الوجه من وجوه الإعجاز أرشد الله سبحانه بقوله: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا} .
__________
1 ألف الصدر الأعظم الغازي أحمد مختار باشا القوميسير العثماني العالي في مصر سابقا كتابا سماه "سرائر القرآن في تكوين وفناء وإعادة الأكوان" تضمن تسعين آية قرآنية مطبقة على العلم تطبيقا دقيقا، وقد نقل هذا الكتاب عن التركية السيد محب الدين الخطي وطبعه مصدرا برسالة للأمير شكيب أرسلان قال فيها: إن هذا الكتاب لم يخدم القرآن بمثله إلى اليوم.
(1/32)
 
 
ورابعها: فصاحة ألفاظه وبلاغة عباراته وقوة تأثيره:
ليس في القرآن لفظ ينبو عن السمع أو يتنافر مع ما قبله أو ما بعده. وعباراته في مطابقتها لمقتضى الأحوال في أعلى مستوى بلاغي، ويتجلى هذا لمن له ذوق عربي في تشبيهاته وأمثاله وحججه ومجادلاته، وفي إثباته للعقائد الحقة وإفحامه للمبطلين وفي كل معنى عبر وهدف رمى إليه، وحسبنا برهانًا على هذا شهادة الخبراء من أعدائه، واعتراف أهل البيان والبلاغة من خصومه.
والإمامان الزمخشري في تفسيره "الكشاف" وعبد القاهر في كتابيه "دلائل الإعجاز" و"أسرار البلاغة" تكفلا ببيان كثير من وجوه الفصاحة والبلاغة في آيات القرآن، وأما قوة تأثيره في النفوس وسلطانه الروحي على القلوب، فهذا يشعر به كل منصف ذي وجدان، وحسبنا برهانًا على هذا أنه لا يمل سماعه ولا تبلى جدته، وقد قال الوليد بن المغيرة وهو ألد أعداء الرسول: "إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق وإن أعلاه لمثمر، ما يقول هذا بشر". والحق ما شهدت به الأعداء1.
أنواع أحكامه:
أنواع الأحكام التي جاء بها القرآن الكريم ثلاثة:
الأول: أحكام اعتقادية تتعلق بما يجب على المكلف اعتقاده في الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.
والثاني: أحكام خلقية، تتعلق بما يجب على المكلف أن يتحلى به من الفضائل، وأن يتخلى عنه من الرذائل.
والثالث: أحكام عملية، تتعلق بما يصدر عن الملكف من أقوال وأفعال وعقود وتصرفات. وهذا النوع الثالث هو فقه القرآن، وهو المقصود الوصول إليه بعلم أصول الفقه.
__________
1 من أراد المزيد من بحوث إعجاز القرآن فليقرأ كتاب إعجاز القرآن للمرحوم مصطفى صادق الرافعي الذي قدمه المرحوم سعد زغلول باشا بمقدمة وصفه فيها بقوله: كأنه تنزيل من التنزيل، أو قبس من نور الذكر الحكيم.
(1/33)
 
 
والأحكام العملية في القرآن تنتظم نوعين: أحكام العبادات من صلاة وصوم وزكاة، وحج ونذر ويمين ونحوها من العبادات التي يقصد بها تنظيم علاقة الإنسان بربه، وأحكام المعاملات من عقود وتصرفات وعقوبات وجنايات وغيرها مما عدا العبادات، ومما يقصد بها تنظيم علاقة المكلفين بعضهم ببعض، سواء أكانوا أفرادًا أم أمما أم جماعات، فأحكام ما عدا العبادات تسمى في الاصطلاح الشرعي أحكام المعاملات، وأما في اصطلاح العصر الحديث، فقد تنوعت أحكام المعاملات بحسب ما تتلعق به، وما يقصد بها إلى الأنواع الآتية:
1- أحكام الأحوال الشخصية: وهي التي تتعلق بالأسرة من بدء تكونها، ويقصد بها تنظيم علاقة الزوجين والأقارب بعضهم ببعض، وآياتها في القرآن نحو 70 آية.
2- والأحكام المدنية: وهي التي تتعلق بمعاملات الأفراد ومبادلاتهم من بيع وإجارة ورهن، وكفالة وشركة ومداينة ووفاء بالالتزام، ويقصد بها تنظيم علاقات الأفراد المالية وحفظ حق كل ذي حق، وآياتها في القرآن نحو 70 آية.
3- والأحكام الجنائية: وهي التي تتعلق بما يصدر عن المكلف من جرائم وما يستحقه عليها من عقوبة، ويقصد بها حفظ حياة الناس، وأموالهم وأعراضهم وحقوقهم وتحديد علاقة المجني عليه بالجاني وبالأمة، وآياتها في القرآن نحو 30 آية.
4- وأحكام المرافعات: وهي التي تتعلق بالقضاء والشهادة واليمين، ويقصد بها تنظيم الإجراءات لتحقيق العدل بين الناس، وآياتها في القرآن نحو 13 آية.
5- والأحكام الدستورية: وهي التي تتعلق بنظام الحكم وأصوله، ويقصد بها تحديد علاقة الحاكم بالمحكوم، وتقرير ما للأفراد والجماعات من حقوق، وآياتها نحو 10 آيات.
6- والأحكام الدولية: وهي التي تتعلق بمعاملة الدولة الإسلامية لغيرها من الدول، وبمعاملة غير المسلمين في الدول الإسلامية، ويقصد بها تحديد علاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الدول في السلم وفي الحرب، وتحديد علاقة المسلمين بغيرهم في بلاد الدول الإسلامية، وآياتها نحو 25 آية.
(1/34)
 
 
7- والأحكام الاقتصادية والمالية: وهي التي تتعلق بحق السائل والمحروم في مال الغني، وتنظيم الموارد والمصارف، ويقصد بها تنظيم العلاقات المالية بين الأغنياء، والفقراء وبين الدولة والأفراد. وآياتها نحو 10 آيات.
ومن استقرأ آيات الأحكام في القرآن يتبين أن أحكامه تفصيلية في العبادات، وما يلحق بها من الأحوال الشخصية والمواريث؛ لأن أكثر أحكام هذا النوع تعبدي ولا مجال للعقل فيه ولا يتطور بتطور البيئات، وأما فيما عدا العبادات والأحوال الشخصية من الأحكام المدنية والجنائية، والدستورية والدولية والاقتصادية، فأحكامه فيها قواعد عامة ومبادئ أساسية، ولم يتعرض فيها لتفصيلات جزئية إلا في النادر؛ لأن هذه الأحكام تتطور بتطور البيئات والمصالح، فاقتصر القرآن فيها على القواعد العامة والمبادئ الأساسية ليكون ولاة الأمر في كل عصر في سعة من أن يفصلوا قوانينهم فيها حسب مصالحهم في حدود أسس القرآن من غير اصطدام بحكم جزئي فيه.
دلالة آياته إما قطعية وإما ظنية:
نصوص القرآن جميعها قطعية من جهة ورودها وثبوتها، ونقلها عن الرسول إلينا، أي نجزم ونقطع بأن كل نص نتلوه من نصوص القرآن، هو نفسه النص الذي أنزله الله على رسوله، وبلغه الرسول المعصوم إلى الأمة من غير تحريف ولا تبديل؛ لأن الرسول المعصوم كان إذا نزلت عليه سورة أو آيات أو آية بلغها أصحابه وتلاها عليهم وكتبها وحيه، وكتبها من كتب لنفسه من صحابته، وحفظها منهم عدد كثير وقرءوها في صلواتهم، وتعبدوا بتلاوتها في سائر أوقاتهم، وما توفي الرسول إلا وكل آية من آيات القرآن مدونة فيما اعتاد العرب أن يدونوا فيه، ومحفوظة في صدور كثير من المسلمين، وقد جمع أبو بكر الصديق بواسطة زيد بن ثابت، وبعض الصحابة المعروفين بالحفظ والكتابة هذه المدونات، وضم بعضها إلى بعض، مرتبة الترتيب الذي كان الرسول يتلوها به ويتلوها به أصحابه في حياته، وصارت هذه المجموعة وما في صدور الحفاظ هي مرجع المسلمين في تلقي القرآن وروايته، وقام على حفظ هذه المجموعة أبو بكر في حياته، وخلفه في المحافظة عليها عمر، ثم تركها عمر عند ابنته حفصة أم المؤمنين، وأخذها من حفصة عثمان في خلافته، ونسخ منها بواسطة زيد بن ثابت
(1/35)
 
 
نفسه، وعدد من كبار المهاجرين والأنصار عدة نسخ أرسلت إلى أمصار المسلمين، فأبو بكر حفظ كل ما دونت فيه آية أو آيات من القرآن حتى لا يضيع منه شيء، وعثمان جمع المسلمين على مجموعة واحدة من المدون ونشره بين المسلمين حتى لا يختلفوا في لفظ، وتناقل المسلمون القرآن كتابة من المصحف المدون، وتلقيا من الحفاظ أجيالا عن أجيال في عدة قرون، وما اختلف المكتوب منه والمحفوظ، ولا اختلف في لفظة منه صيني ومراكشي ولا بولوني وسوداني، وهذه ملايين المسلمين في مختلف القارات منذ ثلاثة عشر قرنا ونيف وثمانين سنة يقرءونه جميعا لا يختلف فيه فرد عن فرد، ولا أمة عن أمة، لا بزيادة ولا نقص ولا تغيير أو تبديل أو ترتيب تحقيقا لوعد الله سبحانه إذ قال عز شأنه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} .
وأما نصوص القرآن من جهة دلالتها على ما تضمنته من الأحكام فتنقسم إلى قسمين: نص قطعي الدلالة على حكمه. ونص ظني الدلالة على حكمه.
فالنص القطعي الدلالة هو ما دل على معنى متعين فهمه منه، ولا يحتمل تأويلا ولا مجال لفهم معنى غيره منه، مثل قوله تعالى: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ} فهذا قطعي الدلالة على أن فرض الزوج في هذه الحال النصف لا غير، ومثل قوله تعالى في شأن الزاني والزانية: {فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} ، فهذا قطعي الدلالة على أن حد الزنا مائة جلدة لا أكثر ولا أقل، وكذا كل نص دل على فرض في الإرث مقدر أو حد في العقوبة معين أو نصاب محدد، وأما النص الظني الدلالة فهو ما دل على معنى ولكن يحتمل أن يؤول ويصرف هذا المعنى ويراد منه معنى غيره مثل قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} فلفظ القرء في اللغة العربية مشترك بين معنيين يطلق لغة على الطهر ويطلق لغة على الحيض، والنص دل على أن المطلقات يتربصن ثلاثة قروء، فيحتمل أن يراد ثلاثة أطهار، ويحتمل أن يراد ثلاث حيضات فهو ليس قطعي الدلالة على معنى واحد من المعنيين، ولهذا اختلف المجتهدون في أن عدة المطلقة ثلاثة حيضات أو ثلاثة أطهار ومثل قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ} فلفظ الميتة عام والنص يحتمل الدلالة على تحريم كل ميتة، ويحتمل أن يخصص التحريم بما عدا ميتة البحر، فالنص الذي فيه لفظ مشترك أو لفظ عام، أو لفظ مطلق أو نحو هذا يكون ظني الدلالة؛ لأنه يدل على معنى يحتمل الدلالة على غيره.
(1/36)
 
 
الدليل الثاني: السنة 1:
1- تعريفها.
2- حجيتها.
3- نسبتها إلى القرآن.
4- أقسامها باعتبار سندها.
5- قطعيها وظنيها.
تعريفها:
السنة في الاصطلاح الشرعي: هي ما صدر عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من قول، أو فعل، أو تقرير.
فالسنن القولية: هي أحاديثه التي قالها في مختلف الأغراض، والمناسبات مثل قوله -صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار". وقوله: "في السائمة زكاة"، وقوله عن البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته"، وغير ذلك.
والسنن الفعلية: هي أفعاله -صلى الله عليه وسلم- مثل أدائه الصلوات الخمس بهيئاتها وأركانها، وأدائه مناسك الحج، وقضائه بشاهد واحد ويمين المدعي.
والسنن التقريرية: هي ما أقره الرسول مما صدر عن بعض أصحابه من أقوال وأفعال بسكوته وعدم إنكاره، أو بموافقته وإظهار استحسانه، فيعتبر بهذا الإقرار والموافقة عليه صادرا عن الرسول نفسه، مثل ما روى أن صحابيين خرجا في سفر فحضرتهما الصلاة ولم يجدا ماء فتيمما وصليا، ثم وجدا الماء في الوقت فأعاد أحدهما ولم يعد الآخر، فلما قصا أمرهما على الرسول أقر كلا منهما على ما فعل، فقال للذي لم يعد: أصبت السنة وأجزأتك صلاتك، وقال للذي أعاد: لك الأجر مرتين، ومثل ما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- لما بعث معاذ بن جبل إلى اليمن قال له: "بم تقضي"؟ قال: أقضي بكتاب الله، فإن لم أجد فبسنة رسول الله، فإن لم أجد أجتهد رأيي فأقره الرسول وقال: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله".
__________
1 لفظ السنة معناه في اللغة العربية الطريقة ومنه قوله تعالى: {وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} ، وكما يطلق على الطريقة المحمودة تطلق على الطريقة المذمومة، وقد جاء في الحديث: "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة".
(1/37)
 
 
حجيتها:
أجمع المسلمون على أن ما صدر عن رسول الله، من قول أو فعل أو تقرير. وكان مقصودا به التشريع والاقتداء، ونقل إلينا بسند صحيح يفيد القطع، أو الظن الراجح، بصدقه يكون حجة على المسلمين، ومصدرا تشريعيا يستنبط منه المجتهدون الأحكام الشرعية لأفعال المكلفين، أي أن الأحكام الواردة في هذه السنن تكون مع الأحكام الواردة في القرآن قانونًا واجب الاتباع.
والبراهين على حجية السنة عديدة:
أولها: نصوص القرآن، فإن الله سبحانه في كثير من آي الكتاب الكريم أمر بطاعة رسوله، وجعل طاعة رسوله طاعة له. وأمر المسلمين إذا تنازعوا في شيء أن يردوه إلى الله وإلى الرسول، ولم يجعل للمؤمن خيارا إذا قضى الله ورسوله أمرا، ونفى الإيمان لمن لم يطمئن إلى قضاء الرسول ولم يسلم له، وفي هذا كله برهان من الله على أن تشريع الرسول هو تشريع إلهي واجب اتباعه.
قال تعالى: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ} ، وقال سبحانه: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} ، وقال: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} . وقال: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} . وقال: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} ، فهذه الآيات تدل باجتماعها وتساندها دلالة قاطعة على أن الله يوجب اتباع الرسول فيما شرعه.
وثانيها: إجماع الصحابة رضوان الله عليهم في حياته، وبعد وفاته على وجوب اتباع سننه، فكانوا في حياته يمضون أحكامه ويمتثلون لأوامره ونواهيه وتحليله وتحريمه، ولا يفرقون في وجوب الاتباع بين حكم أوحي إليه في القرآن وحكم صدر عن الرسول نفسه، ولهذا قال معاذ بن جبل: "إن لم أجد في كتاب حكم ما أقضي به ما قضيت بسنة رسول الله". وكانوا بعد وفاته إذا لم يجدوا في
(1/38)
 
 
كتاب الله حكم ما نزل بهم رجعوا إلى سنة رسول الله. فأبو بكر كان إذا لم يحفظ في الواقعة سنة خرج فسأل المسلمين: "فهل فيكم من يحفظ في هذا الأمر سنة عن نبينا؟ " وكذلك كان يفعل عمر وغيره ممن تصدى للفتيا والقضاء من الصحابة، ومن سلك سبيلهم من تابعيهم وتابعي تابعيهم بحيث لم يعلم أن أحدا منهم يعتد به خالف في أن سنة رسول الله إذا صح نقلها وجب اتباعها.
وثالثها: أن القرآن فرض الله فيه على الناس عدة فرائض مجملة غير مبينة، لم تفصل في القرآن أحكامها ولا كيفية أدائها، فقال تعالى: {أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} ، {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} ، {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} ، ولم يبين كيف تقام الصلاة وتؤتى الزكاة ويؤدى الصوم والحج، وقد بين الرسول هذا الإجمال بسننه القولية والعملية؛ لأن الله سبحانه منحه سلطة هذا التبيين بقوله عز شأنه: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} .
فلو لم تكن هذه السنن البيانية حجة على المسلمين، وقانونا واجبا اتباعه ما أمكن تنفيذ فرائض القرآن ولا اتباع أحكامه، وهذه السنن البيانية إنما وجب اتباعها من جهة أنها صادرة عن الرسول، ورويت عنه بطريق يفيد القطع بورودها عنه أو الظن الراجح بورودها، فكل سنة تشريعية صح صدورها عن الرسول فهي حجة واجبة الاتباع، سواء كانت مبينة حكما في القرآن أم منشئة حكما سكت عنه القرآن؛ لأنها كلها مصدرها المعصوم الذي منحه الله سلطة التبيين والتشريع.
نسبتها إلى القرآن:
أما نسبة السنة إلى القرآن، من جهة الاحتجاج بها والرجوع إليها لاستنباط الأحكام الشرعية، فهي المرتبة التالية له بحيث إن المجتهد لا يرجع إلى السنة للبحث عن واقعة إلا إذا لم يجد في القرآن حكم ما أراد معرفة حكمه؛ لأن القرآن أصل التشريع ومصدره الأول، فإذا نص على حكم اتبع، وإذا لم ينص على حكم الواقعة رجع إلى السنة، فإن وجد فيها حكمه اتبع.
وأما نسبة السنة إل القرآن من جهة ما ورد فيها من الأحكام، فإنها لا تعدو واحدا من ثلاثة:
1- إما أن تكون سنة مقررة ومؤكدة حكما جاء في القرآن. فيكون الحكم له مصدران وعليه دليلان: دليل مثبت من أي القرآن، ودليل مؤيد من سنة
(1/39)
 
 
الرسول، ومن هذه الأحكام الأمر بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، والنهي عن الشرك بالله، وشهادة الزور وعقوق الوالدين، وقتل النفس بغير الحق، وغير ذلك من المأمورات، والمنهيات التي دلت عليها آيات القرآن، وأيدتها سنن الرسول -صلى الله عليه وسلم- ويقام الدليل عليها منهما.
2- وإما أن تكون سنة مفصلة ومفسرة ما جاء في القرآن مجملا، أو مقيدة ما جاء فيه مطلقا أو مخصصة ما جاء فيه عاما، فيكون هذا التفسير أو التقييد أو التخصيص الذي وردت به السنة تبيينًا للمراد من الذي جاء في القرآن؛ لأن الله سبحانه منح رسول الله حق التبيين لنصوص القرآن بقوله عز شأنه: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} ، ومن هذا السنن التي فصلت إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت؛ لأن القرآن أمر بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، ولم يفصل عدد ركعات الصلاة، ولا مقادير الزكاة، ولا مناسك الحج. والسنن العملية والقولية هي التي بينت هذا الإجمال، وكذلك أحل الله البيع وحرم الربا، والسنة هي التي بينت صحيح البيع وفاسده وأنواع الربا المحرم. والله حرم الميتة، والسنة هي التي بينت المراد منها ما عدا ميتة البحر. وغير ذلك من السنن التي بينت المراد من مجمل القرآن ومطلقه وعامه، وتعتبر مكملة له وملحقة به.
3- وإما أن تكون سنة مثبتة ومنشئة حكما سكت عنه القرآن، فيكون هذا الحكم ثابتا بالسنة ولا يدل عليه نص في القرآن، ومن هذا تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، وتحريم كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطيور. وتحريم لبس الحرير والتختم بالذهب على الرجال، وما جاء في الحديث: "يحرم من الرضاع ما يحرم بالنسب". وغير ذلك من الأحكام التي شرعت بالسنة وحدها ومصدرها إلهام الله لرسوله، أو اجتهاد الرسول نفسه.
قال الإمام الشافعي في رسالته الأصولية: "لم أعلم من أهل العلم مخالفا في أن سنن النبي -صلى الله عليه وسلم- من ثلاثة وجوه، أحدها: ما أنزل الله عز وجل فيه نص كتاب، فسن رسول الله مثل ما نص الكتاب، والآخر: ما أنزل الله عز وجل فيه جملة فبين عن الله معنى ما أراد، والوجه الثالث: ما سن رسول الله مما ليس فيه نص كتاب.
(1/40)
 
 
ومما ينبغي التنبيه إليه أن اجتهاد الرسول في التشريع أساسه القرآن وما بثه في نفسه من روح التشريع ومبادئه، فهو يستند في تشريعه الأحكام إلى القياس على ما جاء في القرآن، أو إلى تطبيق المبادئ العامة لتشريع القرآن، فمرجع أحكام السنة إلى أحكام القرآن.
وخاصة ما قدمنا: أن الأحكام التي وردت في السنة: إما أحكام مقررة لأحكام القرآن، أو أحكام مبينة لها، أو أحكام سكت عنها القرآن مستمدة بالقياس على ما جاء فيه أو بتطيبق أصوله ومبادئه العامة، ومن هذا يتبين أنه لا يمكن أن يقع بين أحكام القرآن والسنة تخالف أو تعارض.
أقسامها باعتبار سندها 1:
تنقسم السنة باعتبار رواتها عن الرسول إلى ثلاثة أقسام: سنة متواترة وسنة مشهورة، وسنة آحاد.
فالسنة المتواترة: هي ما رواها عن رسول الله جمع يمتنع عادة أن يتواطأ أفراده على كذب، لكثرتهم وأمانتهم واختلاف وجهاتهم وبيئاتهم، ورواها عن هذا الجمع جمع مثله، حتى وصلت إلينا بسند كل طبقة من رواته جمع لا يتفقون على كذب من مبدأ التلقي عن الرسول إلى نهاية الوصول إلينا، ومن هذا القسم السنن العملية في أداء الصلاة وفي الصوم، والحج والأذان وغير ذلك من شعائر الدين التي تلقاها المسلمون عن الرسول بالمشاهدة، أو السماع، جموعا عن جموع، من غير اختلاف في عصر عن عصر، أو قطر عن قطر، وقل أن يوجد في السنن القولية حديث متواتر.
والسنة المشهورة: هي ما رواها عن رسول الله صحابي أو اثنان أو جمع لم يبلغ حد جمع التواتر، ثم رواها عن هذا الراوي أو الرواة جمع من جموع التواتر، ورواها عن هذا الجمع جمع مثله، وعن هذا الجمع جمع، حتى وصلت إلينا بسند، أول طبقة فيه سمعوا من الرسول قوله أو شاهدوا فعله فرد أو فردان أو أفراد لم يصلوا إلى جمع التواتر، وسائر طبقاته جموع التواتر. ومن هذا القسم بعض الأحاديث التي رواها عن الرسول عمر بن الخطاب، أو عبد الله بن مسعود أو
__________
1 المراد بسند السنة: سلسلة الرواة الذين نقلوها عن الرسول إلينا. والمراد بمتن السنة: نفس الحديث المروي.
(1/41)
 
 
أبو بكر الصديق، ثم رواها عن أحد هؤلاء جمع لا يتفق أفراده على كذب، مثل حديث: "إنما الأعمال بالنيات"، وحديث: "بني الإسلام على خمس" وحديث: "لا ضرر ولا ضرار".
فالفرق بين السنة المتواترة والسنة المشهورة: أن السنة المتواترة كل حلقة في سلسلة سندها جمع التواتر من مبدأ التلقي عن الرسول إلى وصولها إلينا. وأما السنة المشهورة فالحلقة الأولى في سندها ليست جمعا من جموع التواتر بل الذي تلقاها عن الرسول واحد أو اثنان، أو جمع لم يبلغ جمع التواتر، وسائر الحلقات جموع التواتر.
وسنة الآحاد: هي ما رواها عن الرسول آحاد لم تبلغ جموع التواتر بأن رواها عن الرسول واحد أو اثنان أو جمع لم يبلغ حد التواتر، ورواها عن هذا الراوي مثله، وهكذا حتى وصلت إلينا بسند طبقاته أحاد لا جموع التواتر، ومن هذا القسم أكثر الأحاديث التي جمعت في كتب السنة وتسمى خبر الواحد.
قطعيها وظنيها:
أما من جهة الورود فالسنة المتواترة قطعية الورود عن الرسول؛ لأن تواتر النقل يفيد الجزم والقطع بصحة الخبر كما قدمنا، والسنة المشهورة قطعية الورود عن الصحابي، أو الصحابة الذين تلقوها عن الرسول لتواتر النقل عنهم، ولكنها ليست قطعية الورود عن الرسول؛ لأن أول من تلقى عنه ليس جمع التواتر، ولهذا جعلها فقهاء الحنفية، في حكم السنة المتواترة، فيخصص بها عام القرآن ويقيد بها مطلقه؛ لأنها مقطوع ورودها عن الصحابي، والصحابي حجة وثقة في نقله عن الرسول، فمن أجل هذا كانت مرتبتها في مذهبهم بين المتواتر وخبر الواحد.
وسنة الآحاد ظنية الورود عن الرسول؛ لأن سندها لا يفيد القطع.
وأما من جهة الدلالة فكل سنة من هذه الأقسام الثلاثة قد تكون قطعية الدلالة، إذا كان نصها لا يحتمل تأويلا، وقد تكون ظنية الدلالة إذا كان نصها يحتمل التأويل.
ومن المقارنة بين نصوص القرآن ونصوص السنة من جهة القطعية والظنية، ينتج أن نصوص القرآن الكريم كلها قطعية الورود، ومنها ما هو قطعي الدلالة ومنها
(1/42)
 
 
ما هو ظني الدلالة، وأما السنة فمنها ما هو قطعي الورود ومنها ما هو ظني الورود، وكل واحد منهما قد يكون قطعي الدلالة وقد يكون ظني الدلالة.
وكل سنة من أقسام السنن الثلاثة المتواترة، والمشهورة وسنن الأحاد؛ حجة واجب اتباعها والعمل بها، أما المتواتر؛ فلأنها مقطوع بصدورها وورودها عن رسول الله، وأما المشهورة أو سنة الآحاد؛ فلأنها وإن كانت ظنية الورود عن رسول الله، إلا أن هذا الظن يرجح بما توافر في الرواة من العدالة وتمام الضبط والإتقان، ورجحان الظن كاف في وجوب العمل، لهذا يقضي القاضي بشهادة الشاهد، وهي إنما تفيد رجحان الظن بالمشهود به، وتصح الصلاة بالتحري في استقبال الكعبة وهو إنما يفيد غلبة الظن، وكثير من الأحكام مبنية على الظن، ولو التزم القطع واليقين في كل أمر عملي لنال الناس الحرج.
ما ليس تشريعا من أقوال الرسول وأفعاله: ما صدر عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أقوال، وأفعال إنما يكون حجة على المسلمين واجبا اتباعه إذا صدر عنه بوصف أنه رسول الله وكان مقصودا به التشريع العام والاقتداء.
وذلك أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- إنسان كسائر الناس، اصطفاه الله رسولا إليهم كما قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ} .
1- فما صدر عنه بمقتضى طبيعته الإنسانية من قيام، وقعود، ومشي، ونوم، وأكل، وشرب، فليس تشريعا؛ لأن هذا ليس مصدره رسالته ولكن مصدره إنسانيته، لكن إذا صدر منه فعل إنساني، ودل دليل على أن المقصود من فعله الاقتداء به كان تشريعا بهذا الدليل.
2- وما صدر عنه بمقتضى الخبرة الإنسانية والحذق، والتجارب في الشئون الدنيوية من اتجار أو زراعة، أو تنظيم جيش، أو تدبير حربي، أو وصف دواء لمرض، أو أمثال هذا فليس تشريعا أيضا؛ لأنه ليس صادرا عن رسالته، وإنما هو صادر عن خبرته الدنيوية وتقديره الشخصي، ولهذا لما رأى في بعض غزواته أن ينزل الجند في مكان معين قال له بعض صحابته: أهذا منزل أنزلكه الله أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة.
فقال الصحابي: ليس هذا بمنزل، وأشار بإنزال الجند في مكان آخر لأسباب حربية بينها للرسول. ولما رأى الرسول أهل المدينة يؤبرون النخل، أشار عليهم أن
(1/43)
 
 
لا يؤبروا فتركوا التأبير1 وتلف الثمر، فقال لهم: "أبروا. أنتم أعلم بأمور دنياكم".
3- وما صدر عن رسول الله ودل الدليل الشرعي على أنه خاص به، وأنه ليس أسوة فيه فليس تشريعا عاما: كتزوجه بأكثر من أربع زوجات؛ لأن قوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} دل على أن الحد الأعلى لعدد الزوجات أربع، وكاكتفائه في إثبات الدعوى بشهادة خزيمة وحده؛ لأن النصوص صريحة في أن البينة شاهدان، ويراعى أن قضاء الرسول في خصومة يشتمل على أمرين: أحدهما إثباته وقائع، وثانيهما حكمه على تقدير ثبوت الوقائع، فإثباته الوقائع أمر تقديري له وليس بتشريع، وأما حكمه بعد تقدير ثبوت الوقائع فهو تشريع، ولهذا روى البخاري ومسلم عن أم سلمة أن رسول الله سمع خصومة بباب حجرته، فخرج إليهم وقال: "إنما أنا بشر وأنه يأتيني الخصوم فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض فأحسب أنه صادق فأقضي له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها".
والخلاصة أن ما صدر عن رسول الله من أقوال وأفعال في حال من الحالات الثلاث التي بيناها فهو من سنته، ولكنه ليس تشريعا ولا قانونا واجبا اتباعه.
وأما ما صدر من أقوال وأفعال بوصف أنه رسول ومقصود به التشريع العام واقتداء المسلمين به، فهو حجة على المسلمين وقانون واجب اتباعه.
فالسنة إن أريد بها طريقة الرسول وما كان عليه في حياته، فهي كل ما صدر عنه من قول وفعل أو تقرير، مقصود به التشريع واقتداء الناس به لاهتدائهم.
__________
1 التأبير: التلقيح.
(1/44)
 
 
الدليل الثالث: الإجماع 1
1- تعريفه.
2- أركانه.
3- حجيته.
4- إمكان انعقاده.
5- انعقاده فعلا.
6- أنواعه.
تعريفه:
الإجماع في اصطلاح الأصوليين: هو اتفاق جميع المجتهدين من المسلمين في عصر من العصور بعد وفاة الرسول على حكم شرعي في واقعة.
فإذا وقعت حادثة وعرضت على جميع المجتهدين من الأمة الإسلامية وقت حدوثها، واتفقوا على حكم فيها سمي اتفاقهم إجماعا، واعتبر إجماعهم على حكم واحد فيها دليلا على أن هذا الحكم هو الحكم الشرعي في الواقعة، وإنما قيل في التعريف بعد وفاة الرسول؛ لأنه في حياة الرسول هو المرجع التشريعي وحده فلا يتصور اختلاف في حكم شرعي، ولا اتفاق إذ الاتفاق لا يتحقق إلا من عدد.
أركانه:
ورد في تعريف الإجماع أنه: اتفاق جميع المجتهدين من المسلمين في عصر على حكم شرعي، ومن هذا يؤخذ أن أركان الإجماع التي لا ينعقد شرعا إلا بتحققها أربعة:
الأول: أن يوجد في عصر وقوع الحادثة عدد من المجتهدين؛ لأن الاتفاق لا يتصور إلا في عدة آراء يوافق كل رأي منها سائرها، فلو خلا وقت من وجود عدد من المجتهدين، بأن لم يوجد فيه مجتهد أصلا أو وجد مجتهد واحد، لا ينعقد فيه شرعا إجماع، ومن هذا الإجماع في عهد الرسول؛ لأنه المجتهد وحده.
الثاني: أن يتفق على الحكم الشرعي في الواقعة، جميع المجتهدين من المسلمين في وقت وقوعها، بصرف النظر عن بلدهم أو جنسهم أو طائفتهم، فلو
__________
1 لفظ الإجماع معناه في اللغة العربية العزم ومنه قوله تعالى: {فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ} أي: اعزموا عليه. وسمي اتفاق المجتهدين إجماعا؛ لأن اتفاقهم على حكم تصميم عليه.
(1/45)
 
 
اتفق على الحكم الشرعي في الواقعة، مجتهد والحرمين فقط، أو مجتهدو العراق فقط، أو مجتهدوا الحجاز، أو مجتهدو آل البيت أو مجتهدو أهل السنة دون مجتهدي الشيعة1، لا ينعقد شرعا بهذا الاتفاق الخاص إجماع؛ لأن الإجماع لا ينعقد إلا بالاتفاق العام من جميع مجتهدي العالم الإسلامي في عهد الحادثة، ولا عبرة بغير المجتهدين.
الثالث: أن يكون اتفاقهم بإبداء كل واحد منهم رأيه صريحا في الواقعة سواء أكان إبداء الواحد منهم رأيه قولا لأن أفتى في الواقعة بفتوى، أو فعلا بأن قضى فيها بقضاء، وسواء أبدى كل واحد منهم رأيه على انفراد وبعد جمع الآراء تبين اتفاقها، أم أبدوا آراءهم مجتمعين بأن جمع مجتهدو العالم الإسلامي في عصر حدوث الواقعة وعرضت عليهم، وبعد تبادلهم وجهات النظر اتفقوا جميعا على حكم واحد فيها.
الرابع: أن يتحقق الاتفاق من جميع المجتهدين على الحكم، فلو اتفق أكثرهم لا ينعقد باتفاق الأكثر إجماعًا مهما قل عدد المخالفين، وكثر عدد المتفقين؛ لأنه ما دام قد وجد اختلاف وجد احتمال الصواب في جانب والخطأ في جانب، فلا يكون اتفاق الأكثر حجة شرعية قطعية ملزمة.
حجيته:
إذا تحققت أركان الإجماع الأربعة بأن أحصى في عصر من العصور بعد وفاة الرسول جميع من فيه من مجتهدي المسلمين على اختلاف بلادهم وأجناسهم وطوائفهم، وعرضت عليهم وقعة لمعرفة حكمها الشرعي، وأبدى كل مجتهد منهم رأيه صراحة في حكمها بالقول أو بالفعل مجتمعين أو منفردين، واتفقت آراؤهم جميعا على حكم واحد في هذه الواقعة -كان هذا الحكم المتفق عليه قانونا شرعيا واجبا اتباعه ولا يجوز مخالفته، وليس لمجتهدين في عصر تال أن يجعلوا هذه الواقعة موضع اجتهاد؛ لأن الحكم الثابت فيها بهذا الإجماع حكم شرعي قطعي لا مجال لمخالفته ولا لنسخه.
والبرهان على حجية الإجماع ما يأتي:
أولا: أن الله سبحانه وتعالى كما أمر المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله أمرهم بطاعة أولي الأمر منهم، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا
__________
1 هذا الكلام فيه نظر. أ. هـ مصححة.
(1/46)
 
 
الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} ، ولفظ الأمر معناه الشأن وهو عام يشمل الأمر الديني، والأمر الدنيوي، وأولو الأمر الدنيوي هم الملوك والأمراء والولاة، وأولو الأمر الديني هم المجتهدون وأهل الفتيا، وقد فسر بعض المفسرين وعلى رأسهم ابن عباس أولي الأمر في هذه الآية بالعلماء، وفسرهم آخرون بالأمراء والولاة، والظاهر التفسير بما يشمل الجميع وبما يوجب طاعة كل فريق فيما هو من شأنه، فإذا أجمع أولو الأمر في التشريع وهم المجتهدون على حكم وجب اتباعه وتنفيذ حكمهم بنص القرآن، ولذا قال تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} ، وتوعد سبحانه من يشاقق الرسول ويتبع غير سبيل المؤمنين، فقال عز شأنه: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} فجعل من يخالف سبيل المؤمنين قرين من يشاقق الرسول.
ثانيًا: أن الحكم الذي اتفقت عليه آراء جميع المجتهدين في الأمة الإسلامية هو في الحقيقة حكم الأمة ممثلة في مجتهديها، وقد وردت عدة أحاديث عن الرسول، وآثار عن الصحابة تدل على عصمة الأمة من الخطأ، منها قوله -صلى الله عليه وسلم: "لا تجتمع أمتي على خطأ". وقوله: "لم يكن الله ليجمع أمتي على الضلالة". وقوله: "ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن". وذلك لأن اتفاق جميع هؤلاء المجتهدين على حكم واحد في الواقعة مع اختلاف أنظارهم والبيئات المحيطة بهم وتوافر عدة أسباب لاختلافهم دليل على أن وحدة الحق والصواب هي التي جمعت كلمتهم وغلبت عوامل اختلافهم.
ثالثًا: إن الإجماع على حكم شرعي لا بد أن يكون قد بني على مستند شرعي؛ لأن المجتهد الإسلامي له حدود لا يسوغ له أن يتعداها، وإذا لم يكن في اجتهاده نص فاجتهاده لا يتعدى تفهم النص، ومعرفة ما يدل عليه، وإذا لم يكن في الواقعة نص فاجتهاده لا يتعدى استنباط حكمه بواسطة قياسه على ما فيه نص، أو تطبيق قواعد الشريعة ومبادئها العامة، أو بالاستدلال بما أقامته الشريعة من دلائل كالاستحسان أو الاستصحاب. أو مراعاة العرف أو المصالح المرسلة. وإذا كان اجتهاد المجتهد لا بد أن يستند إلى دليل شرعي. فاتفاق المجتهدين جميعا على حكم واحد في الواقعة دليل على وجود مستند شرعي، يدل قطعا على هذا
(1/47)
 
 
الحكم؛ لأنه لو كان ما استند إليه دليلا ظنيا لاستحال عادة أن يصدر عنه اتفاق؛ لأن الظني مجال حتما لاختلاف العقول.
وكما يكون الإجماع على حكم في واقعة يكون على تأويل نص أو تفسيره، وعلى تعليل حكم النص وبيان الوصف المنوط به.
إمكان انعقاده:
قالت طائفة من العلماء منهم النظام وبعض الشيعة: إن هذا الإجماع الذي تبينت أركانه لا يمكن انعقاده عادة؛ لأنه يتعذر تحقق أركانه. وذلك أنه لا يوجد مقياس يعرف به إذا كان الشخص بلغ مرتبة الاجتهاد أو لم يبلغها، ولا يوجد حكم يرجع إليه في الحكم بأن هذا مجتهد أو غير مجتهد. فمعرفة المجتهدين من غير المجتهدين متعذرة.
ولو فرض أن أشخاص المجتهدين في العالم الإسلامي وقت حدوث الواقعة معروفون، فالوقوف على آرائهم جميعا في الواقعة بطريق يفيد اليقين أو القريب منه متعذر؛ لأنهم متفرقون في قارات مختلفة، وفي بلاد متباعدة ومختلفو الجنسية والتبعية فلا يتيسر سبيل إلى جمعهم، وأخذ آرائهم مجتمعين ولا إلى نقل رأي كل واحد منهم بطريق يوثق به.
ولو فرض أن أشخاص المجتهدين عرفوا، وأمكن الوقوع على آرائهم بطريق يوثق به، فما الذي يكفل أن المجتهد الذي أبدى رأيه في الواقعة يبقى مصرا عليه حتى تؤخذ آراء الباقين؟ ما الذي يمنع أن تعرض له شبهة فيرجع عن رأيه قبل أخذ آراء الباقين؟ والشرط لانعقاد الإجماع أن يثبت اتفاق المجتهدين جميعا في وقت واحد على حكم واحد في واقعة.
ومما يؤيد أن الإجماع لا يمكن انعقاده؛ أنه لو انعقد كان لا بد مستندا إلى دليل؛ لأن المجتهد الشرعي لا بد أن يستند في اجتهاده إلى دليل، والدليل الذي يستند إليه المجمعون إن كان دليلا قطعيا فمن المستحيل عادة أن تخفى؛ لأن المسلمين لا يخفى عليهم دليل شرعي قطعي حتى يحتاجون معه إلى الرجوع إلى المجتهدين وإجماعهم. وإن كان دليلا ظنيا فمن المستحيل عادة: أن يصدر عن الدليل الظني إجماع؛ لأن الدليل الظني لا بد أن يكون مثارا للاختلاف.
(1/48)
 
 
وقد نقل ابن حزم في كتابه "الأحكام" عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قوله: سمعت أبي يقول: "وما يدعي فيه الرجل الإجماع هو الكذب، من ادعى الإجماع فهو كذاب، لعل الناس قد اختلفوا -ما يدريه- ولم ينتبه إليه. فليقل: لا نعلم الناس اختلفوا".
وذهب جمهور العلماء: إلى أن الإجماع يمكن انعقاده عادة، وقالوا: إن ما ذكره منكرو إمكانه لا يخرج عن أنه تشكيك في أمر واقع، وأن أظهر دليل على إمكانه انعقاده فعلا، وذكروا عدة أمثلة لما ثبت انعقاد الإجماع عليه مثل: خلافة أبي بكر، وتحريم شحم الخنزير، وتوريث الجدات السدس، وحجب ابن الابن من الإرث بالابن، وغير ذلك من أحكام جزئية وكلية.
والذي أراه الراجح أن الإجماع بتعريفه، وأركانه التي بيناها لا يمكن عادة انعقاده إذا وكل أمره إلى أفراد الأمم الإسلامية، وشعوبها، ويمكن انعقاده إذا تولت أمره الحكومات الإسلامية على اختلافها، فكل حكومة تستيطع أن تعين الشروط التي بتوافرها يبلغ الشخص مرتبة الاجتهاد، وأن تمنح الإجازة الاجتهادية لمن توافرت فيه هذه الشروط، وبهذا تستطيع كل حكومة أن تعرف مجتهديها آراءهم في أية واقعة. فإذا وقفت كل حكومة على آراء مجتهديها في واقعة، واتفقت آراء المجتهدين جميعهم في كل الحكومات الإسلامية على حكم واحد في هذه الواقعة، كان هذا إجماعا وكان الحكم المجمع عليه حكما شرعيا واجبا اتباعه على المسلمين جميعهم.
انعقاده فعلا:
هل انعقد الإجماع فعلا بهذا المعنى في عصر من العصور بعد وفاة الرسول؟ الجواب لا. ومن رجع إلى الوقائع التي حكم فيها الصحابة، واعتبر حكمهم فيها بالإجماع يتبين أنه ما وقع إجماع بهذا المعنى، وأن ما وقع إنما كان اتفاقا من الحاضرين، من أولي العلم والرأي على حكم في الحادثة المعروضة، فهو في الحقيقة: حكم صادر عن شورى الجماعة لا عن رأي الفرد.
فقد روى أن أبا بكر كان إذا ورد عليه الخصوم ولم يجد في كتاب الله، ولا في سنة رسوله ما يقضي بينهم، جع رءوس الناس وخيارهم فاستشارهم، فإن
(1/49)
 
 
أجمعوا على رأي أمضاه، وكذلك كان يفعل عمر. ومما لا ريب فيه أن رءوس الناس وخيارهم الذين كان يجمعهم أبو بكر وقت عرض الخصومة ما كانوا جميع رءوس المسلمين وخيارهم؛ لأنه كان منهم عدد كثير في مكة والشام واليمن في ميادين الجهاد، وما ورد أن أبا بكر أجل الفصل في خصومة حتى يقف على رأي جميع مجتهدي الصحابة في مختلف البلدان، بل كان يمضي ما اتفق عليه الحاضرون؛ لأنهم جماعة، ورأي الجماعة أقرب إلى الحق من رأي الفرد. وكذلك كان يفعل عمر، وهذا ما سماه الفقهاء الإجماع، فهو في الحقيقة تشريع الجماعة لا الفرد. وهو ما وجد إلا في عصر الصحابة، وفي بعض عصور الأمويين بالأندلس، حين كونوا في القرن الثاني الهجري جماعة من العلماء، يستشارون في التشريع وكثيرا ما يذكر في ترجمة بعض علماء الأندلس أنه كان من علماء الشورى.
وأما بعد عهد الصحابة، فيما عدا هذه الفترة في الدولة الأموية بالأندلس فلم ينعقد إجماع، ولم يتحقق إجماع من أكثر المجتهدين لأجل تشريع، ولم يصدر التشريع عن الجماعة بل استقل كل فرد من المجتهدين باجتهاده في بلده وفي بيئته.
وكان التشريع فرديا لا شوريا، وقد تتوافق الآراء وقد تتناقض، وأقصى ما يستطيع الفقيه أن يقوله: لا يعلم في حكم هذه الواقعة خلاف.
أنواعه:
أما الإجماع من جهة كيفية حصوله فهو نوعان:
أحدهما: الإجماع الصريح: وهو أن يتفق مجتهدو العصر على حكم واقعة، بإبداء كل منهم رأيه صراحة بفتوى أو قضاء، أي أن كل مجتهد يصدر منه قول أو فعل يعبر بصراحة عن رأيه.
وثانيهما: الإجماع السكوتي: وهو أن يبدي بعض مجتهدي العصر رأيهم صراحة في الواقعة بفتوى أو قضاء، ويسكت باقيهم عن إبداء رأيهم فيها بموافقة ما أبدى فيها أو مخالفته.
أما النوع الأول وهو الإجماع الصريح فهو الإجماع الحقيقي، وهو حجة شرعية في مذهب الجمهور. وأما النوع الثاني وهو الإجماع السكوتي فهو إجماع
(1/50)
 
 
اعتباري؛ لأن الساكت لا جزم بأنه موافق، فلا جزم بتحقيق الاتفاق وانعقاد الإجماع، ولهذا اختلف في حجيته، فذهب الجمهور إلى أنه ليس حجة، وأنه لا يخرج عن كونه رأي بعض أفراد من المجتهدين.
وذهب علماء الحنفية إلى أنه حجة إذا ثبت أن المجتهد الذي سكت عرضت عليه الحادثة، وعرض عليه الرأي الذي أبدى فيها ومضت عليه فترة كافية للبحث، وتكوين الرأي وسكت، ولم توجد شبهة في أنه سكت خوفا أو ملقا أو عيا أو استهزاء؛ لأن سكوت المجتهد في مقام الاستفتاء والبيان والتشريع بعد فترة البحث والدرس ومع انتفاء ما يمنعه من إبداء رأيه لو كان مخالفا، دليل على موافقته الرأي الذي أبدى إذ لو كان مخالفا ما وسعه السكوت.
والذي أراه الراجح هو مذهب الجمهور؛ لأن الساكت من المجتهدين تحيط بسكوته عدة ظروف وملابسات منها النفسي ومنها غير النفسي، ولا يمكن استقصاء كل هذه الظروف والملابسات والجزم بأنه سكت موافقة ورضا بالرأي. فالساكت لا رأي له ولا ينسب إليه قول موافق أو مخالف، وأكثر ما وقع مما سمي إجماعا هو من الإجماع السكوتي.
وإما الإجماع من جهة أنه قطعي الدلالة على حكمه أو ظني، فهو نوعان أيضا. أحدهما: إجماع قطعي الدلالة على حكمه، وهو الإجماع الصريح؛ بمعنى أن حكمه مقطوع به ولا سبيل إلى الحكم في واقعته بخلافه، ولا مجال للاجتهاد في واقعة بعد انعقاد إجماع صريح على حكم شرعي فيها. وثانيهما: إجماع ظني الدلالة على حكمه وهو الإجماع السكوتي بمعنى أن حكمه مظنون ظنا راجحا، ولا يخرج الواقعة عن أن تكون مجالا للاجتهاد؛ لأنه عبارة عن رأي جماعة من المجتهدين لا جميعهم.
(1/51)
 
 
الدليل الرابع: القياس 1
1- تعريفه.
2- حجيته.
3- أركانه: الأصل والفرع وحكم الأصل وعلة الحكم.
تعريفه:
القياس في اصطلاح الأصوليين: هو إلحاق واقعة لا نص على حكمها بواقعة ورد نص بحكمها، في الحكم الذي ورد به النص، لتساوي الواقعتين في علة هذا الحكم.
فإذا دل النص على حكم في واقعة، وعرفت علة هذا الحكم بطريق من الطرق التي تعرف بها علل الأحكام، ثم وجدت واقعة أخرى تساوي واقعة النص في علة تحقق علة الحكم فيها، فإنها تسوي بواقعة النص في حكمها بناء على تساويهما في علته؛ لأن الحكم يوجد حيث توجد علته.
وهذه أمثلة من الأقيسة الشرعية والوضعية توضح هذا التعريف:
1- شرب الخمر: واقعة ثبت بالنص حكمها، وهو التحريم الذي دل عليه قوله سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} لعلة هي الإسكار، فكل نبيذ توجد فيه هذه العلة يسوي بالخمر في حكمه ويحرم شربه.
2- قتل الوارث مورثة: واقعة ثبت بالنص حكمها، وهو منع القاتل من الإرث الذي دل عليه قوله -صلى الله عليه وسلم: "لا يرث القاتل". لعلة هي أن قتله فيه استعجال الشيء قبل أوانه فيرد عليه قصده ويعاقب بحرمانه، وقتل الموصى له للموصي توجد فيه هذه العلة فيقاس بقتل الوارث مورثه، ويمنع القاتل للموصي من استحقاق الموصى به له.
3- البيع وقت النداء للصلاة من يوم الجمعة: واقعة ثبت بالنص حكمها وهو الكراهة التي دل عليه قوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ
__________
1 القياس معناه في اللغة: التقدير للشيء بما يماثله، يقال: قاس الثوب بالمتر أي قدر أجزاءه به، ويطلق القياس على التسوية؛ لأن تقدير الشيء بما يماثله تسوية بينهما ومنه: فلان لا يقاس بفلان أي لا يسوى به.
(1/52)
 
 
الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} لعلة هي شغله عن الصلاة، والإجازة أو الرهن أو أية معاملة وقت النداء للصلاة من يوم الجمعة توجد فيها هذه العلة، وهي شغلها عن الصلاة، فتقاس بالبيع في حكمه وتكره وقت النداء للصلاة.
4- الورقة الموقَّع عليها بالإمضاء: واقعة ثبت بالنص حكمها وهو أنها حجة على الموقَّع الذي دل عليه نص القانون المدني، لعلة هي أن توقيع الموقع دال على شخصه، والورقة المبصومة بالأصبع توجد فيها هذه العلة فتقاس بالورقة الموقع عليها في حكمها، وتكون حجة على باصمها.
5- السرقة بين الأصول والفروع وبين الزوجين: لا تجوز محاكمة مرتكبها إلا بناء على طلب المجني عليه، في قانون العقوبات، وقيس على السرقة النصب واغتصاب المال بالتهديد وإصدار شيك بدون رصيد وجرائم التبديد لعلاقة القرابة والزوجية فيها كلها.
ففي كل مثال من هذه الأمثلة سويت واقعة لا نص على حكمها، بواقعة نص على حكمها في الحكم المنصوص عليه، بناء على تساويهما في علة هذا الحكم، وهذه التسوية بين الواقعتين في الحكم، بناء على تساويهما في علته هي القياس في اصطلاح الأصوليين، وقولهم: تسوية واقعة بواقعة، أو إلحاق واقعة بواقعة أو تعدية الحكم من واقعة إلى واقعة، هي عبارات مترادفة مدلولها واحد.
حجيته:
مذهب جمهور علماء المسلمين أن القياس حجة شرعية على الأحكام العملية، وأنه في المرتبة الرابعة من الحجج الشرعية، بحيث إذا لم يوجد في الواقعة حكم بنص أو إجماع، وثبت أنها تساوي واقعة نص على حكمها في علة هذا الحكم، فإنها تقاس بها ويحكم فيها بحكمها، ويكون هذا حكما شرعيًّا، ويسع المكلف اتباعه والعمل به، وهؤلاء يطلق عليهم: مثبتو القياس.
ومذهب النظامية والظاهرية وبعض فرق الشيعة أن القياس ليس حجة شرعية على ال