التفسير الوسيط للواحدي ج ص معتمد 003

عدد الزوار 255 التاريخ 15/08/2020

 
قَالَ: «كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِذَا كَانَ لأَحَدِهِمْ خَادِمٌ وَامْرَأَةٌ وَدَابَّةٌ كُتِبَ مَلِكًا»
278 - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَارِسِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عِيسَى، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْقُشَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي أَبُو هَانِئٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَلَسْنَا مِنْ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ؟ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: أَلَكَ امْرَأَةٌ تَأْوِي إِلَيْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: أَلَكَ مَسْكَنٌ تَسْكُنُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: فَأَنْتَ مِنَ الأَغْنِيَاءِ، قَالَ: فَإِنَّ لِي خَادِمًا.
قَالَ: فَأَنْتَ مِنَ الْمُلُوكِ.
وروي أن الحسن تلا هذه الآية فقال: وهل المُلك إلا مركب وخادم ودار؟ وقوله: {وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ} [المائدة: 20] قال مجاهد، والكلبي: بأن ظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى، وفلق لهم البحر، وأنجاهم من عدوهم.
قوله تعالى: {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ} [المائدة: 21] قال قتادة: هي الشام كلها.
وقال عكرمة، والسدي: هي أريط.
وقال الكلبي: دمشق وفلسطين.
ومعنى المقدسة: المطهرة، وتلك الأرض طهرت من الشرك، وجعلت مسكنا وقرارا للأنبياء.
(2/172)
1
وقوله {الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} [المائدة: 21] قال ابن عباس، والسدي: أمركم بدخولها، وفرض عليكم دخولها، {وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ} [المائدة: 21] لا ترجعوا إلى دينكم الشرك بالله وإلى معصيته فتنقلبوا خاسرين.
{قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ} [المائدة: 22] قال المفسرون: هم العمالقة فرقة من عاد.
وأراد بالجبارين: الطوال الأقوياء العظام، من قولهم: رجل جبار، إذا كان طويلا عظيما، تشبيها بالجبار من النخل، وهو الذي فات الأيدي بطوله، قال قتادة: كانت لهم أجسام وخلق عجب ليس لغيرهم.
أخبر الله تعالى أنهم أبوا على موسى دخول تلك القرية، واعتلوا بأن فيها قوما جساما أقوياء لا يطيقونهم، وأنهم لا يدخلونها حتى يخرج منها هؤلاء القوم، فذلك قوله {فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ} [المائدة: 22] .
قوله عز وجل: قال رجلان قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: هم يوشع بن نون وكالب، {مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ} [المائدة: 23] الله في مخالفة أمره {أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا} [المائدة: 23] بالإسلام، قال عطاء: بالصلاح والفضل واليقين.
{ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ} [المائدة: 23] الآية: قال المفسرون: إنهما قالا لبني إسرائيل: نحن أعلم بالقوم، إنهم قد ملئوا منا رعبا، إنا رأيناهم فكانت أجسامهم عظيمة وقلوبهم ضعيفة وإنكم تغلبونهم.
وذلك قوله: {فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا} [المائدة: 23] في نصره إياكم على الجبارين {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة: 23] مصدقين بما أتاكم به رسوله.
{قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا} [المائدة: 24] قال المفسرون: إن عشرة من النقباء نقضوا العهد، وقالوا لبني إسرائيل: رأينا حصونا منيعة وجبابرة، ولا يدان لكم بهم.
فجبن القوم وخافوا، ولم يثقوا بنصر الله، وقالوا لموسى: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: 24] قال الحسن: هذا القول كفر منهم بالله.
(2/173)
1
وقال المفسرون: إنما قالوا هذا جهلا منهم، وفسقوا بذلك، لأن الله تعالى سماهم فاسقين في هذه القصة، وكذلك موسى سماهم فاسقين، وهو قوله: {فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [المائدة: 25] ، وقوله: {فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [المائدة: 26] .
قال الزجاج: أعلمَ اللهُ أن أهل الكتاب لم يزالوا غير قابلين من الأنبياء قبل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأن الخلاف شأنهم.
279 - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الزَّاهِدُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَحْمَدَ الْفَقِيهُ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَسَدٍ الْهَرَوِيُّ، حَدَّثَنَا حَمْدَانُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا الأَشْجَعِيُّ عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُخَارِقٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ الْمِقْدَادُ وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ يَوْمَ بَدْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أنا لا نَقُولُ كَمَا قَالَ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبّكَ فَقَاتِلا أنا هَاهُنَا قَاعِدُونَ، وَلَكِنِ امْضِ وَنَحْنُ مَعَكَ، فَكَأَنَّهُ سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ حَمْدَانَ بْنِ عُمَرَ
280 - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدِ بْنُ أَبِي رُشَيْدٍ الْعَدْلُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْقَطِيعِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ خَرَجَ إِلَى بَدْرٍ اسْتَشَارَ النَّاسَ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ اسْتَشَارَهُمْ فَأَشَارَ عَلَيْهِ عُمَرُ، فَسَكَتَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: إِنَّمَا يُرِيدُكُمْ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لا نَقُولُ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: اذْهَبْ
(2/174)
1
أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا أنا هَاهُنَا قَاعِدُونَ، وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَوْ ضَرَبْتَ أَكْبَادَنَا حَتَّى تَبْلُغَ بَرْكَ الْغِمَادِ لَكُنَّا مَعَكَ
قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي وَأَخِي} [المائدة: 25] قال الكلبي: لما قالوا: اذهب أنت وربك. . . غضب موسى، وكان رجلا حديدا، ف {قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي وَأَخِي} [المائدة: 25] يقول: لم يطعني منهم إلا نفسي وأخي، والمعنى: لا أملك إلا طاعة نفسي وأخي.
{فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [المائدة: 25] فاقض واحكم بيننا وبين القوم العاصين.
قال فإنها: فإن الأرض المقدسة محرمة عليهم: ممنوعة منهم دخولها أربعين سنة: قال ابن عباس: حرم الله على الذين عصوا دخول بيت المقدس فماتوا في التيه، ولم يدخل بيت المقدس ممن خرج من مصر أحد، لا موسى ولا هارون إلا الرجلان اللذان قالا: ادخلوا عليهم الباب، يوشع وكالب، دخلا بأبناء الذين خرجوا من مصر بعدما تاهوا أربعين سنة.
وقال الكلبي: قال الله تعالى لموسى: إذ سميتهم فاسقين فإنها محرمة عليهم.
وقوله: {يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ} [المائدة: 26] يقال: تاه يتيه توْها وتيْها إذا تحير ولم يهتد، وأرض تيه، وتيهاء، ومتيهة: يتيه فيها الإنسان.
قال مجاهد والحسن: كانوا يصبحون حيث أمسوا، ويمسون حيث أصبحوا.
وقوله: {فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [المائدة: 26] قال ابن عباس: يريد: لا تحزن على القوم الذين عصوك وعصوني.
(2/175)
1
{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ {27} لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ {28} إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ {29} فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ {30} فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ {31} مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ {32} } [المائدة: 27-32] قوله عز وجل: واتل عليهم: واقرأ على قومك نبأ: خبر ابني آدم: قابيل وهابيل بالحق: كما كان {إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا} [المائدة: 27] كان هابيل صاحب غنم فنظر إلى خير كثير فتقرب إلى الله تعالى، ونظر قابيل إلى شر قمحه فتقرب به إلى الله تعالى، فنزلت نار من السماء فاحتملت قربان هابيل، ولم تحمل قربان قابيل، فعلم أن الله تعالى قد قبل من أخيه ولم يقبل منه فحسده، وهو قوله: {فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ} [المائدة: 27] هابيل: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27] قال ابن عباس: قال له هابيل: إنما يتقبل الله ممن كان زاكي القلب.
والمعنى: من المتقين للمعاصي.
قوله جل جلاله: {لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ} [المائدة: 28] يقول هابيل لأخيه: لئن بدأتني بالقتل فما أنا بالذي أبدؤك بالقتل {إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} [المائدة: 28] في قتلك.
(2/176)
1
{إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ} [المائدة: 29] قال ابن عباس، والحسن، وقتادة: تحتمل إثم قتلي وإثمك الذي كان منك قبل قتلي.
وقال الزجاج: ترجع إلى الله بإثم قتلي وإثمك الذي من أجله لم يتقبل قربانك، {فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ} [المائدة: 29] بالإثمين، {وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ} [المائدة: 29] قال ابن عباس: يريد: إن جهنم جزاء من قتل أخاه ظلما.
قوله جل جلاله: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ} [المائدة: 30] قال مجاهد: شجعته نفسه على قتل أخيه.
وقال قتادة: زينت له نفسه.
وقال ابن زباب: سهلت له ذلك.
واختاره الأزهري فقال: المعنى: سهلت له نفسه قتل أخيه، أي: جعلته سهلا وهونته.
وتقدير الكلام: فصورت له نفسه أن قتل أخيه طوع له سهل عليه.
{فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [المائدة: 30] قال ابن عباس: خسر دنياه وآخرته، أما الدنيا فأسخط والديه وبقى بلا أخ، وأما الآخرة فأسخط ربه وصار إلى النار.
281 - أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَخْبَرَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «لا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا، لأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ.
وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، عَنْ أَبِيهِ كِلاهُمَا، عَنِ الأَعْمَشِ
282 - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْقَاضِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ
(2/177)
1
الصَّغَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ابْنُ آدَمَ الَّذِي قَتَلَ أَخَاهُ عَلَيْهِ نِصْفُ عَذَابِ أَهْلِ النَّارِ»
283 - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْغَازِي، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الرَّفَّاءُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْد، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَشْقَى النَّاسِ رَجُلانِ: عَاقِرُ نَاقَةِ ثَمُودَ، وَابْنُ آدَمَ الَّذِي قَتَلَ أَخَاهُ، مَا يُسْفَكُ عَلَى الأَرْضِ دَمٌ إِلَّا لَحِقَهُ مِنْهُ شَيْءٌ لأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ "
قوله عز وجل: {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ} [المائدة: 31] قال المفسرون: إن قابيل لما قتل أخاه تركه بالعراء ولم يدر ما يصنع به، لأنه كان أول ميت على وجه الأرض من بني آدم، فحمله في جراب على ظهره حتى أَرْوَحَ {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ} [المائدة: 31] يثير التراب من الأرض.
قال ابن عباس: وكانا غرابين اقتتلا فقتل أحدهما صاحبه، وقابيل ينظر، ثم بحث في الأرض حتى جعل له حفرة فدفنه فيها، ففعل قابيل مثلما فعل الغراب.
(2/178)
1
وتقدير الكلام: يبحث في الأرض على غراب ميت {لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ} [المائدة: 31] كيف يستر جيفة أخيه قال قابيل: يا ويلتى أي: قد لزمني الويل بحملي جيفة ميت، {أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ} [المائدة: 31] على حمله والتطواف به حين رأى الغراب فعل ذلك.
قوله تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ} [المائدة: 32] أي: بسبب قتل قابيل أخاه {كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} [المائدة: 32] قال عطاء: قضينا.
وقال الكلبي: فرضنا على بني إسرائيل.
{أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ} [المائدة: 32] وجب عليه القصاص {أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ} [المائدة: 32] يعني: الإشراك بالله، {فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32] قال مجاهد: من قتل نفسا محرمة يصلى النار بقتلها، كما يصلاها لو قتل الناس جميعا.
وقال الحسن: يجب عليه القصاص بقتلها مثل الذي يجب عليه القتل لو قتل الناس جميعا.
وقال سعيد بن جبير: من استحل قتل نفس فهو كذلك في دماء الناس كلهم لا يتحرج لها، ومن أحياها: مخافة من الله، وتحرجا من قتلها فكذلك يرى دماء الناس كلهم حراما.
وهذا كما يروى عن قتادة، والضحاك أنهما قالا: عظم الله أجرها، وعظم وزرها، فمن استحل قتل مسلم بغير حق فكأنما قتل الناس جميعا، لأنهم لا يسلمون منه، ومن أحياها فحرمها وتورع عن قتلها {فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32] لسلامتهم عنه.
قال مجاهد: ومن لم يقتلها فقد أحياها.
قوله: {وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ} [المائدة: 32] قال ابن عباس: بأن لهم صدق ما جاءوا به من الفرائض والحلال والحرام.
{ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} [المائدة: 32] مجاوزون حد الحق.
{إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي
(2/179)
1
الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ {33} إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ {34} يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ {35} إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ {36} يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ {37} } [المائدة: 33-37] قوله عز وجل: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المائدة: 33] الآية: نزلت في قصة العرنيين، وهي ما
284 - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشَّيْبَانِيُّ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ نُجَيْدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُسْلِمٍ الْكَجِّيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَهْطًا مِنْ عُكْلٍ وَعُرَيْنَةَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أنا كُنَّا أَهْلَ ضَرْعٍ وَلَمْ نَكُنْ أَهْلَ رِيفٍ، فَاسْتَوْخَمْنَا الْمَدِينَةَ، فَأَمَرَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَوْدٍ أَنْ يَخْرُجُوا فِيهَا فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا، فَقَتَلُوا رَاعِيَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتَاقُوا الزَّوْدَ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آثَارِهِمْ، فَأُتِيَ بِهِمْ، فَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ، وَتَرَكَهُمْ فِي الْحَرَّةِ حَتَّى مَاتُوا عَلَى حَالِهِمْ قَالَ قَتَادَةُ: ذَكَرَ لَنَا أَنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المائدة: 33] الآية.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ عَبْدِ الأَعْلَى، عَنْ سَعِيدٍ، إِلَى قَوْلِهِ قَتَادَة
(2/180)
1
ومعنى {يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المائدة: 33] يعصونهما ولا يطيعونهما، وكل من عصاك فهو حرب لك.
{وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا} [المائدة: 33] أي: بالقتل والسرقة وأخذ الأموال، فكل من أخذ السلاح على المسلمين فهو محارب لله ورسوله، وإن كان في بلد كالمكابر في البلاد، وهذا قول مالك، والأوزاعي، ومذهب الشافعي.
وقوله تعالى: أن يقتلوا إلى قوله: {أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ} [المائدة: 33] قال الوالبي، عن ابن عباس: أو دخلت للتخيير ومعناها: الإباحة، إن شاء الإمام قتل، وإن شاء صلب، وإن شاء نفى.
وهذا قول الحسن، وسعيد بن المسيب، ومجاهد.
وقال ابن عباس في رواية عطية: أو ليست للإباحة، إنما هي مرتبة للحكم باختلاف الجناية، فمن قتل وأخذ المال صلب وقتل، ومن أخذ المال ولم يقتل قطع، ومن سفك الدماء وكف عن الأموال قتل، ومن أخاف السبيل ولم يقتل نفي، وهذا قول قتادة، والسدي، ومذهب الشافعي.
قال الشافعي: ويحد كل واحد بقدر فعله، فمن وجب عليه القتل والصلب قتل قبل صلبه كراهية تعذيبه، ويصلب ثلاثا ثم ينزل، ومن وجب عليه القتل دون الصلب قتل، ودفع إلى أهله يدفنونه، ومن وجب عليه القطع دون القتل قطعت يده اليمنى ثم حسمت، ثم رجله اليسرى، ثم حسمت، وذلك معنى قوله: من خلاف.
وقوله: {أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ} [المائدة: 33] قال ابن عباس: هو أن يهدر الإمام دمه، فيقول: من لقيه فليقتله، هذا فيمن لم يقدر عليه.
فأما المقبوض عليه فنفيه من الأرض بالحبس والسجن، لأنه إذا سجن وضع من التقلب في البلاد فقد نفي منها.
أنشد ابن قتيبة، وابن الأنباري قول بعض المسجونين:
خرجنا من الدنيا ونحن مِنَ اهلها ... فلسنا من الأحياء فيها ولا موتى
(2/181)
1
إذا جاءنا السجان يوما لحاجة ... عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا
وقوله {ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا} [المائدة: 33] أي: فضيحة وهوان، {وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة: 33] وهذا للكفار الذين نزلت فيهم الآية.
ثم جرى حكم هذه الآية على المحاربين من المسلمين، فبقى العذاب العظيم في الآخرة للكافرين.
والمسلم إذا عوقب بجنايته في الدنيا كانت عقوبته كفارة له.
قوله تعالى: {إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} [المائدة: 34] أكثر أهل التفسير: على أن المراد بهذا الاستثناء المشرك المحارب إذا آمن وأصلح قبل القدرة عليه سقط عنه جميع الحدود التي ذكرها الله تعالى، ولا يطالب بشيء مما أصاب، لا مال ولا دم، وكذلك لو آمن من بعد القدرة عليه لم يطالب بشيء.
قال الزجاج: جعل الله التوبة للكفار تدرأ عنهم الحدود التي وجبت عليهم في كفرهم ليكون ذلك أدعى إلى الدخول في الإسلام.
فأما المسلم المحارب إذا تاب واستأمن من قبل القدرة عليه، فقال السدي: هو كالكافر إذا آمن لا يطالب بشيء إلا إذا أصيب عنده مال بعينه فإنه يرد إلى أهله.
وبهذا حكم علي بن أبي طالب رضي الله عنه في حارثة بن بدر، وكان قد خرج محاربا وذلك ما
(2/182)
1
285 - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: كَانَ حَارِثَةُ بْنُ بَدْرٍ التَّمِيمِيُّ أَفْسَدَ فِي الأَرْضِ وَحَارَبَ، فَأَتَى سَعِيدَ بْنَ قَيْسٍ فَانْطَلَقَ سَعِيدٌ إِلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا جَزَاءُ مَنْ حَارَبَ وَسَعَى فِي الأَرْضِ فَسَادًا؟ قَالَ: أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ، قَالَ: فَإِنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ، قَالَ: تُقْبَلُ تَوْبَتُه، قَالَ: فَإِنَّهُ حَارِثُ بْنُ بَدْرٍ فَأَتَاهُ بِهِ فَأَمَّنَهُ، وَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا
وقال الشافعي: يسقط عنه بتوبته قبل القدرة عليه حد الله، ولا تسقط حقوق بني آدم ما كان قصاصا أو مظلمة في مال.
قوله عز وجل: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ} [المائدة: 35] أي: اتقوا عقابه بطاعته، وابتغوا: اطلبوا {إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} [المائدة: 35] : ومعنى الوسيلة: الوصلة والقربة من وسل إليه، إذا تقرب إليه.
قال ابن عباس: {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} [المائدة: 35] القربة.
وقال قتادة: تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه.
وقال الكلبي: اطلبوا إليه القربة بالأعمال الصالحة.
{وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ} [المائدة: 35] في طاعته لعلكم تفلحون كي تسعدوا وتبقوا في الجنة.
قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} [المائدة: 36] الآية: أخبرنا الله تعالى أن
(2/183)
1
الكافر يوم القيامة لو ملك الدنيا كلها ومثلها معها، ثم فدى بذلك نفسه من العذاب لم يقبل منه ذلك الفداء، ثم أخبر أنهم خالدون في النار لا يخرجون، فقال: {يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ} [المائدة: 37] وإرادتهم الخروج يحتمل وجهين: أحدهما: أنهم يقصدون ذلك ويطلبون المخرج منها، كما قال الله تعالى: {كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا} [السجدة: 20] .
والثاني: أنهم يتمنون ذلك ويردونه بقلوبهم، كقوله تعالى: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا} [المؤمنون: 107] ، قال الله تعالى {وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا} [المائدة: 37]
286 - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ الْمُزَكِّي، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي مُوسَى، أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ، عَنْ يَزِيدَ الْفَقِيرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ النَّارِ بَعْدَ أَنِ احْتَرَقُوا، قَالَ: قُلْتُ: أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ {يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا} [المائدة: 37] قَالَ: اقْرَأْ مَا قَبْلَهَا، إِنَّمَا هَذِهِ لِلْكُفَّارِ {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ} [المائدة: 36] الآيَةَ كُلَّهَا
{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ {38} فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ {39} أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ {40} } [المائدة: 38-40] قوله عز وجل: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] قال الحسن، والسدي، والشعبي: أراد الأيمان.
(2/184)
1
وكذلك في قراءة عبد الله: فاقطعوا أيمانهما وأراد: يمينا من هذا ويمينا من هذه فجمع، قال الفراء، والزجاج: كل شيء موحد من خلق الإنسان إذا ذكر مضافا إلى اثنين فصاعدا جمع، فقيل: قد هشمت رءوسهما، وملئت ظهورهما وبطونهما ضربا.
ومثله قوله تعالى: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] ، وذلك أن الإضافة تبين أن المراد بالجمع التثنية، فإذا قلت: شبعت بطونهما، علم أن للاثنين بطنين، والتثنية في هما أغنتك عن التثنية في بطن.
وهذه الآية مجملة في إيجاب القطع على السارق، وتفصيل ذلك مأخوذ من السنة، وقوله: {جَزَاءً بِمَا كَسَبَا} [المائدة: 38] قال الزجاج: نصب لأنه مفعول له، والمعنى: فاقطعوهما لجزاء فعلهما، وكذلك: {نَكَالا مِنَ اللَّهِ} [المائدة: 38] قال ابن شهاب: نكل الله بالقطع في السرقة عن أموال الناس.
والله عزيز: في انتقامه من السارق، حكيم: فيما أوجبه من قطع يده.
قال الأصمعي: كنت أقرأ { [المائدة وبجنبي أعرابي، فقرأت هذه ال:، فقلت: نكالا من الله والله غفور رحيم.
سهوا، فقال الأعرابي: كلام من هذا؟ قلت: كلام الله.
قال: أعد.
فأعدت: والله غفور رحيم.
فقال: ليس هذا كلام الله.
فتنبهت وقرأت:] وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [المائدة: 38] ، فقال: أصبت هذا كلام الله.
قلت له: أتقرأ القرآن؟ قال: لا.
قلت: فمن أين علمت أني أخطأت؟ قال: يا هذا، عز فحكم فقطع، ولو غفر ورحم لما قطع.
قوله عز وجل: {فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ} [المائدة: 39] قال ابن عباس: أي تاب بنية صادقة، وترك ظلم الناس، فإن الله يتجاوز عنه ولا يسقط عنه القطع بالتوبة.
قال مجاهد: {فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ} [المائدة: 39] تاب الله عليه، والحد كفارة له.
وقال الكلبي: {فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ} [المائدة: 39] العمل بعد القطع والسرقة فإن الله يتجاوز عنه.
قوله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} [المائدة: 40] قال الضحاك: يعذب من يشاء على الذنب الصغير إذا قام عليه، {وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ} [المائدة: 40] الذنب الكبير إذا نزع عنه.
وقال السدي: يهدي من يشاء فيغفر له، ويعذب من يشاء فيميته على كفره.
(2/185)
1
{يَأَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ {41} سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ {42} وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ {43} إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ {44} } [المائدة: 41-44] قوله جل جلاله: {يَأَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} [المائدة: 41] قال الزجاج: أي: لا يحزنك مسارعتهم في نصرة الكفر إذ كنت موعودا النصر عليهم.
وقوله: {مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ} [المائدة: 41] قال ابن عباس: هم المنافقون {وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا} [المائدة: 41] يعني: يهود المدينة {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ} [المائدة: 41] أي: فريق سماعون للكذب يسمعون منك ليكذبوا عليك، أي: إنما يجالسونك ويسمعون منك ليكذبوا عليك، ويقولوا إذا خرجوا من عندك: سمعنا منه كذا وكذا ولم يسمعوا ذلك منك.
{سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ} [المائدة: 41] يعني: يهود خيبر.
قال الزجاج: أي: هؤلاء عيون لأولئك الغُيَّبِ، ينقلون إليهم أخبارك.
{يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ} [المائدة: 41] من بعد أن وضعه الله مواضعه، يعني: آية الرجم، يقولون يعني: يهود
(2/186)
1
خيبر ليهود المدينة: {إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ} [المائدة: 41] قال المفسرون: إن رجلا وامرأة من أشرف أهل خيبر زنيا فكان حدهما الرجم، فكرهت اليهود رجمهما لشرفهما، فبعثوا الزانيين إلى بني قريظة ليسألوا محمدا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن قضائه في الزانيين إذا أحصنا، ما حدهما، قالوا: إن أفتاكم بالجلد فخذوه واجلدوا الزانيين، وإن أفتاكم بالرجم فلا تعملوا به.
فذلك قوله تعالى: {إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا} [المائدة: 41] يعني: الجلد، فخذوه: فاقبلوه واعملوا به، {وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ} [المائدة: 41] يعني: الجلد، فاحذروا أن تعملوا بغير الجلد.
287 - حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، إِمْلاءً سَنَةَ عَشْرٍ وَأَرْبَعِ مِائَةٍ، أَخْبَرَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمَّادٍ الأَبِيوَرْدِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: مُرَّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَهُودِيٍّ مُحَمَّمًا مَجْلُودًا، فَدَعَاهُمْ، فَقَالَ: هَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَدَعَا رَجُلا مِنْ أَشْرَافِهِمْ، فَقَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى هَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟ قَالَ: لا، وَلَوْلا أَنَّكَ نَشَدْتَنِي لَمْ أُخْبِرْكَ، نَجِدُ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِ الرَّجْمِ، وَلَكِنَّهُ كَثُرَ فِي أَشْرَافِنَا، فَكُنَّا إِذَا أَخَذْنَا الشَّرِيفَ تَرَكْنَاهُ، وَإِذَا أَخَذْنَا الْوَضِيعَ أَقَمْنَا عَلَيْهِ حَدَّ اللَّهِ، فَقُلْنَا: تَعَالَوْا نَجْتَمِعُ عَلَى شَيْءٍ نُقِيمُهُ عَلَى الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ، فَاجْتَمَعْنَا عَلَى التَّحْمِيمِ وَالْجَلْدِ مَكَانَ الرَّجْمِ، فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَكَ إِذْ أَمَاتُوهُ» ، فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {يَأَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِلَى قَوْلِهِ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ} [المائدة: 41] يَقُولُونَ: ائْتُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنْ أَفْتَاكُمْ بِالتَّحْمِيمِ وَالْجَلْدِ فَخُذُوا بِهِ، وَإِنْ أَفْتَاكُمْ بِالرَّجْمِ فَاحْذَرُوا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ
وقوله: {وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ} [المائدة: 41] قال ابن عباس، ومجاهد: ضلالته.
وقال الحسن، وقتادة: عذابه.
وقال
(2/187)
1
الزجاج: قيل: فضيحته.
وقيل: كفره.
{فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} [المائدة: 41] لن تغني عنه، ولن تدفع عذاب الله عنه، {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ} [المائدة: 41] وقال ابن عباس: أن يخلص نياتهم.
وقال الزجاج: أن يهديهم.
ودلت هذه الآية على أن الله تعالى غير مريد إسلام الكافر، وأنه لم يطهر قلبه من الشك والشرك، ولو فعل ذلك لآمن، فهذه الآية من أشد الآيات على القدرية.
وقوله: {لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ} [المائدة: 41] خزي المنافقين: هتك سترهم بإطلاع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على كفرهم، وخزي اليهود: فضيحتهم بظهورهم وكذبهم في كتابه الرجم وأخذ الجزية منهم.
{وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة: 41] وهو الخلود في النار.
قوله جل جلاله: سماعون للكذب: قال الحسن: يعني حكام اليهود يسمعون الكذب ممن يكذب عندهم في دعواهم، ويأتيهم برشوة فيأخذونها ويأكلونها، فسمعوا كذبه، وأكلوا رشوته فهو قوله: أكالون للسحت: وهو كل حرام قبيح الذكر يلزم منه العار، والمراد بالسحت ههنا: الرشوة في الحكم.
قال مسروق: كنت جالسا عند عبد الله بن مسعود، فقال له رجل: ما السحت؟ قال: الرشى في الحكم.
288 - أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي مُوسَى، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نَيْرُوزٍ الأَنْمَاطِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ السَّامِيُّ،
(2/188)
1
حَدَّثَنَا خُلَيْدُ بْنُ دَعْلَجٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَخَذَ رِشْوَةً فِي الْحُكْمِ كَانَتْ سِتْرًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ»
وقوله: {فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} [المائدة: 42] هذا تخيير للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحكم بين أهل الكتاب إذا تحاكموا إليه، إن شاء حكم وإن شاء ترك.
قال إبراهيم، والشعبي، وعطاء، وقتادة: هذا التخيير ثابت اليوم لحكام المسلمين، إن شاءوا حكموا بينهم بحكم الإسلام، وإن شاءوا أعرضوا.
وقال الحسن، وعكرمة، والسدي: هذا التخيير منسوخ بقوله {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [المائدة: 49] ، ومذهب الشافعي رضي الله عنه أنه يجب على الحاكم منا أن يحكم بين أهل الذمة الذين قبلوا الجزية، ورضوا بجريان أحكامنا عليهم إذا تحاكموا إليه، لأن في إمضاء حكم الإسلام عليهم صغارا لهم.
وقوله: {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ} [المائدة: 42] قال عكرمة، عن ابن عباس: كان النضير أشرف من قريظة، فكان إذا قتل رجل النضير رجلا من قريظة أدى مائة وسق من تمر، وإذا قتل رجل من قريظة رجلا من النضير قُتل، فلما بعث النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قتل رجل من النضير رجلا من قريظة، فقالوا: ادفعوه إلينا نقتله.
فقالوا: بيننا وبينكم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فأتوه فنزلت: {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ} [المائدة: 42] النفس بالنفس.
قوله عز وجل: {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ} [المائدة: 43] هذا تعجيب من الله تعالى لنبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(2/189)
1
من تحكيم اليهود إياه بعد علمهم بما في التوراة من حكم الزاني وحدّه، ثم إعراضهم وتركهم القبول لحكمه، فعدلوا عما يعتقدونه حكما إلى ما يجحدون أنه من عند الله طلبا للرخصة، فظهر جهلهم في هذه القصة.
وقوله: {فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ} [المائدة: 43] قال ابن عباس: يريد: الرجم، {ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} [المائدة: 43] أي: يعرضون عما في التوراة من الحكم، {وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} [المائدة: 43] وما أولئك الذين يعرضون عن الرجم بالمؤمنين.
قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى} [المائدة: 44] بيان الحكم الذي جاءوا يستفتون فيه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ونور: بيان أن أمر محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حق، {يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ} [المائدة: 44] من لدن موسى إلى عيسى.
قال ابن عباس: وذلك أن الله بعث في بني إسرائيل ألوفا من الأنبياء ليس معهم كتاب، إنما بعثهم بإقامة التوراة، وهو قوله: الذين أسلموا أي: الذين انقاضوا لحكم التوراة.
للذين هادوا: قال ابن عباس: تابوا من الكفر، أي: يحكمون بالتوراة لهم وفيما بينهم.
والربانيون والأحبار فقهاء اليهود وعلماؤهم، واحدها حَبْر وحِبْر {بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ} [المائدة: 44] قال ابن عباس: بما استودعوا وكلفوا حفظه من كتاب الله، {وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ} [المائدة: 44] كانوا شهداء على الكتاب أنه من عند الله، {فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ} [المائدة: 44] في إظهار صفة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
واخشون في كتمان ذلك والخطاب لعلماء اليهود ولا تشتروا: ولا تستبدلوا بآياتي: بأحكامي وفرائضي ثمنا قليلا يعني: متاع الدنيا وهو قليل، لأنه ينقطع ويذهب.
{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] اختلفوا في هذا وفيما بعده من قوله: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة: 45] ، {فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة: 47] فقال جماعة: إن الآيات الثلاث نزلت في الكفار ومن غيّر حكم الله من اليهود، وليس في أهل الإسلام منها شيء، لأن المسلم وإن ارتكب كبيرة لا يقال له كافر، وهذا قول قتادة، والضحاك، وأبي صالح، ورواية البراء عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(2/190)
1
289 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي، أَخْبَرَنَا أَبُو الْهَيْثَمِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ غَوْثٍ الْكِنْدِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْحَضْرَمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ رَجَمَ يَهُودِيًّا وَيَهُودِيَّةً، ثُمَّ قَالَ: " {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة: 45] {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة: 47] قَالَ: نَزَلَتْ كُلُّهَا فِي الْكُفَّارِ ".
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ
قال قتادة في الآيات الثلاث: ليست والله كما تأولها أهل الشبهات وأهل البدع وأهل الفرى على الله وعلى كتابه، وإنما أنزل ما تسمعون في أهل الكتاب حينما نبذوا كتاب الله، وعطلوا حدوده، وتركوا أمره، وقتلوا رسله.
وقال الوالبي عن ابن عباس: من جحد شيئا من حدود الله فقد كفر، ومن أقرها ولم يحكم بها فهو ظالم فاسق.
وقال طاووس: قلت لابن عباس: ومن لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر؟ قال: هو به كفر وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر وملائكته وكتبه ورسله.
وقال عبد العزيز بن يحيى: إنها تقع على جميع ما أنزل الله لا على بعضه، وكل من لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر ظالم فاسق، وأما من حكم بما أنزل الله من التوحيد وترك الشرك، ثم لم يحكم بما أنزل الله من الشرائع فليس هو من أهل هذه الآية.
وقال ابن مسعود، والحسن، والسدي: هذه الآيات عامة في اليهود، وفي هذه الأمة فكل من ارتشى وبدل الحكم، فحكم بغير حكم الله فقد كفر.
(2/191)
1
290 - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَيَّانَ، حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ، عَنْ عَمَّارٍ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَهُوَ ظَالِمٌ، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَهُوَ فَاسِقٌ
{وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة: 45] قوله عز وجل: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة: 45] قال الوالبي عن ابن عباس: أخبر الله بحكمه في التوراة وهو أن النفس تقتل بالنفس، إلى قوله: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المائدة: 45] : فما بالهم يخالفون فيقتلون بالنفس النفسين، ويفقئون بالعين العينين.
وقال مجاهد عن ابن عباس: إن الله كتب على بني إسرائيل القصاص في القتل، ليس بينهم دية في نفس ولا جرح، وذلك قوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ} [المائدة: 45] تقتل {بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ} [المائدة: 45] تفقأ بالعين.
ومن رفع العين فإنه عطف جملة على جملة، ولم يجعل الواو للاشتراك في الناصب كما جعله من نصب.
وقوله: والجروح قصاص: تعميم بعد التخصيص، لأنه ذكر العين بالعين والأنف بالأنف وما بعدهما، وهذا من
(2/192)
1
الجروح أيضا، والقصاص في الجروح إنما يثبت فيما يمكن أن يقتص فيه، مثل الشفتين والذكر والأنثيين والقدمين واليدين، فأما ما لا يمكن القصاص فيه من رضة لحم أو كسر عظم أو جراحة في البطن ففيه أرش.
وقوله: {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ} [المائدة: 45] أي: عفا عن القصاص الذي وجب له {فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ} [المائدة: 45] قال ابن عباس: مغفرة له عند الله وثواب عظيم.
وقال الشعبي: كفارة لمن تصدق به.
291 - أَخْبَرَنَا الأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الثَّعْلَبِيُّ، أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّيْنَوَرِيُّ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ تَصَدَّقَ مِنْ جَسَدِهِ بِشَيْءٍ كَفَّرَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَدْرِهِ مِنْ ذُنُوبِهِ»
{وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ {46} وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ {47} } [المائدة: 46-47] قوله جل جلاله: {وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} [المائدة: 46] أي: جعلناه يقفو آثار النبيين الذين كانوا قبله، أي: يتبعهم في شرعهم وكتابهم، وهو قوله: {مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ} [المائدة: 46] بعث عيسى بتصديقه.
{وَآتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ} [المائدة: 46] ليس هذا تكريرا للأول، لأن الأول
(2/193)
1
لعيسى، والثاني للإنجيل، لأن الإنجيل أنزل وفيه ذكر التصديق بالتوراة، كما أن عيسى جاء يدعو الناس إلى التصديق بالتوراة.
وقوله: وهدى وموعظة معناه: هاديا وواعظا للمتقين: الذين يتقون الشرك.
قوله جل جلاله: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ} [المائدة: 47] هذا إخبار عما فرض عليهم في ذلك الوقت من الحكم بما تضمنه الإنجيل.
والتقدير: قلنا: وليحكم أهل الإنجيل، ثم حُذف القول، وحَذْف القول في القرآن كثير، واللام في ليحكم لام الأمر، ولذلك جزم: وليحكم، وقرأ حمزة: وَلِيَحْكُمَ بكسر اللام وفتح الميم على معنى: آتيناه الإنجيل ليحكم، فيكون كقوله: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ} [النساء: 105] .
{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ {48} وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ {49} أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ {50} } [المائدة: 48-50] قوله عز وجل: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} [المائدة: 48] الآية: قال قتادة: لما أخبر الله تعالى بصنيع أهل الكتاب قبلكم وبحكمهم بغير ما أنزل الله، وعظ نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمؤمنين بموعظة بليغة، فقال: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} [المائدة: 48] قال مقاتل: يعني: القرآن لم ينزل عبثا.
{مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ} [المائدة: 48] قال ابن عباس: يريد: كل كتاب أنزله الله تعالى على الأنبياء.
ومهيمنا عليه: قال الوالبي، والسدي، وقتادة، والحسن: أمينا وشاهدا على الكتب التي خلت قبله، فما أخبر
(2/194)
1
أهل الكتاب بأمر، فإن كان في القرآن فصدقوا، وإلا فكذبوا.
وقال جماعة من أهل اللغة: المهيمن: الرقيب الحافظ، يقال: هيمن الرجل يهيمن هيمنة إذا كان رقيبا على الشيء، وهو قول الخليل، وأبي عبيدة، قال أبو عبيدة: المهيمن: الشاهد المصدق، واحتج بقول حسان:
إن الكتاب مهيمن لنبينا ... والحق يعرفه ذوو الألباب
وقوله: {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [المائدة: 48] يعني: بين اليهود بالقرآن، والرجم على الزانيين، {وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ} [المائدة: 48] يقول: لا تتبعهم عما عندك من الحق فتتركه وتتبعهم، كما تقول: لا تتبع زبدا عن رأيك، أي: لا تترك رأيك وتتبعه.
وقوله: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48] الشرعة والشريعة واحدة، وهي ما شرع الله للعباد من الصلاة والصوم والنكاح والحج وغيره، معناها في اللغة: الطريقة، لشروع الناس فيها.
والمنهاج الطريق الواضح، يقال: نهج الأمر.
وأنهج.
لغتان، إذا وضح، قال ابن عباس، والحسن، ومجاهد: شرعة ومنهاجا: سبيلا وسنة.
قال قتادة: الخطاب للأمم الثلاث: أمة موسى، وأمة عيسى، وأمة محمد صلوات الله عليهم أجمعين: للتوراة شريعة، وللإنجيل شريعة، وللقرآن شريعة، والدين واحد لا يقبل الله إلا الإخلاص.
وقوله: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} [المائدة: 48] على أمر واحد، ملة الإسلام، ولكن ليبلوكم أي: ليختبركم {فِي مَا آتَاكُمْ} [المائدة: 48] أعطاكم من الكتاب والسنن، فاستبقوا الخيرات: سارعوا في الأعمال الصالحات، {إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا} [المائدة: 48] أنتم وأهل الكتاب {فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [المائدة: 48] من الفرائض والدية والسنن.
وقوله: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [المائدة: 49] ، قد ذكرنا أن هذا ناسخ للتخيير في قوله: {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} [المائدة: 42] .
ومعنى بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بحدود الله وما أنزل في كتابه.
{وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} [المائدة: 49] قال مقاتل: إن رؤساء اليهود
(2/195)
1
قال بعضهم لبعض: انطلق بنا إلى محمد لعلنا نفتنه ونرده عما هو عليه، فإنما هو بشر.
فأتوه، وقالوا له: قد علمت أنا إن اتبعناك لاتبعك الناس، وإن لنا خصومة، فاقض لنا على خصومنا إذا تحاكمنا إليك ونحن نؤمن بك ونصدقك، فأنزل الله تعالى: {وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [المائدة: 49] قال ابن عباس: يردوك إلى أهوائهم.
قال أبو عبيدة: كل من صرف عن الحق إلى الباطل، وأميل عن القصد فقد فتن.
وقوله: فإن تولوا: فإن أعرضوا عن الإيمان والقرآن {فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ} [المائدة: 49] إن إعراضهم من أجل أن الله يريد أن يعجل لهم العقوبة في الدنيا بالقتل والجلاء والجزية، ببعض ذنوبهم، ويجازيهم بالباقي في الآخرة، {وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ} [المائدة: 49] يعني: اليهود.
قوله جل جلاله: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} [المائدة: 50] قال المفسرون: معناه: أتطلب اليهودُ في حكم الزانيين حكما لم يأمر الله تعالى به، وهم أهل الكتاب كما يفعل أهل الجاهلية.
وقرا ابن عامر: تبغون بالتاء: على معنى: قل لهم يا محمد: أفحكم الجاهلية تبغون؟ {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50] قال الزجاج: أي: من أيقن تبين عدل الله في حكمه.
{يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ {51} فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ {52} وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ {53} } قوله عز وجل: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ} [المائدة: 51] قال عطية: جاء عبادة بن الصامت، فقال: يا رسول الله إن لي موالي من اليهود كثير عددهم حاضر نصرهم، وإني أبرأ إلى الله تعالى ورسوله من ولاية اليهود، وآوي إلى الله ورسوله.
فقال عبد الله بن أبي: لكن أخاف الدوائر ولا أبرأ من ولاية اليهود، فأنزل الله تعالى فيهما هذه الآية والتي بعدها.
(2/196)
1
ومعنى لا تتخذوهم أولياء: لا تعتمدوا على الاستنصار بهم، ولا توالوهم.
292 - أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَرْوَزِيُّ فِيمَا أَجَازَ لِي، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَدَّادِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِيَاضٍ الأَشْعَرِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى، أَنَّهُ وَفَدَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: إِنَّ عِنْدَنَا نَصْرَانِيًّا كَاتِبًا مِنْ حَالِهِ وَحَالِهِ، فَقَالَ: قَاتَلَكَ اللَّهُ، أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى {لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ} [المائدة: 51] أَلَا اتَّخَذْتَ حَنِيفًا؟ قَالَ: قُلْتُ: دِينُهُ لَهُ، وَلِي كِتَابَتُهُ , قَالَ: لا أُكَرِّمُهُمْ إِذْ أَهَانَهُمُ اللَّهُ، وَلا أُعِزُّهُمْ إِذْ أَزَلَّهُمُ اللَّهُ، وَلا أُدْنِيهِمْ إِذْ أَقْصَاهُمُ اللَّهُ، ثُمَّ أَوْعَدَ عَلَى مَوْالاتِهِمْ فَقَالَ: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة: 51] "
قال ابن عباس: كافر مثلهم، وقال الزجاج: من عاضدهم على المسلمين فإنه معهم.
{إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة: 51] قال ابن عباس: لا يرشد الكافرين ولا المشركين ولا المنافقين.
قوله جل جلاله: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} [المائدة: 52] يعني: عبد الله بن أبي وأصحابه من المنافقين يسارعون فيهم: قال الكلبي، ومجاهد: يسارعون في موالاة اليهود ومصانعتهم، وقال الزجاج: في معاونتهم على المسلمين.
{يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ} [المائدة: 52] نخشى أن يدور الدهر علينا بمكروه من جدب أو قحط ولا يعطوننا الميرة والقرض.
{فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ} [المائدة: 52] يعني: فتح مكة.
في قول الكلبي، والسدي، وقال الضحاك: فتح قرى اليهود.
وقال قتادة، ومقاتل: بالقضاء الفصل من نصر محمد على من خالفه.
(2/197)
1
{أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ} [المائدة: 52] أي: خصب وسعة لمحمد وأصحابه، وقال مقاتل: يعني: القتل والجلاء لليهود.
فيصبحوا يعني: المنافقين {عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ} [المائدة: 52] من موالاة اليهود ودس الأخبار لهم نادمين.
قوله عز وجل: {وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا} [المائدة: 53] ، وقرأ أبو عمرو ويقولَ الذين نصبا على معنى: وعسى أن يقول الذين آمنوا، وقرأ أهل الحجاز يقول بغير واو استغناء عن حرف العطف لملابسة هذه الآية بما قبلها.
قال الزجاج: {وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا} [المائدة: 53] في وقت إظهار الله نفاق المنافقين: أهؤلاء يعني: المنافقين، {الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} [المائدة: 53] حلفوا بالله بأغلظ الأيمان إنهم مؤمنون، إنهم لمعكم أي: إن المؤمنين حينئذ يتعجبون من كفرهم وحلفهم بالباطل، قال الله تعالى: حبطت أعمالهم: بطل كل خير عملوه بكفرهم وغشهم المسلمين، فأصبحوا خاسرين خسروا الدنيا بافتضاحهم، والآخرة بفوت الثواب والمصير إلى النار.
{يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ {54} إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ {55} وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ {56} يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ {57} وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ {58} قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ {59} قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ {60} وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ {61} وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ
(2/198)
1
السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ {62} لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ {63} وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ {64} } [المائدة: 54-64] قوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ} [المائدة: 54] وقرأ أهل الحجاز: يرتدد بإظهار دالين، قال الزجاج: وهو الأصل، لأن الثاني إذا سكن من المضاعف ظهر التضعيف نحو إن يمسسكم ويجوز في اللغة: «إن يمسكم» ، لأنه يحرك الثاني بالفتح عند الإدغام.
قال الحسن: علم الله أن قوما يرجعون عن الإسلام بعد موت نبيهم، فأخبر أنه: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54] واختلفوا في ذلك القوم من هم؟ فقال علي بن أبي طالب، والحسن، والضحاك، وقتادة، وابن جريج: هم أبو بكر وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردة ومنكري الزكاة.
قال قتادة: لما قبض الله نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ارتد عامة العرب، إلا أهل مكة وأهل المدينة وأهل البحرين من عبد قيس، فقال المرتدون: أما الصلاة فنصلي، وأما الزكاة فلا تغصب أموالنا، فكلم أبو بكر في ذلك، فقال: والله لا أفرق بين ما جمع الله، قال الله: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43] ، والله لو منعوني عقالا مما أدوا إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لقاتلتهم عليه.
فبعث الله عصائب مع أبي بكر، فقاتل على ما قاتل عليه نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى أقروا بالماعون وهو الزكاة المفروضة، قال أنس بن مالك: كرهت الصحابة قتال مانعي الزكاة، وقالوا: أهل القبلة، فتقلد أبو بكر سيفه وخرج وحده، فلم يجدوا بدا من الخروج على إثره.
(2/199)
1
وقال ابن مسعود: كرهنا ذلك في الابتداء، وحمدناه في الانتهاء، ورأينا ذلك رشدا.
وقال الحسن: لولا ما فعل أبو بكر لألحد الناس في الزكاة إلى يوم القيامة.
وقال أبو بكر بن عياش: سمعت أبا حصين يقول: ما ولد لآدم في ذريته بعد النبيين مولود أفضل من أبي بكر، ولقد قام يوم الردة مقام نبي من الأنبياء.
وقال آخرون: المراد بقوله: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ} [المائدة: 54] الآية: الأشعريون وهو تفسير النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ما
293 - أَخْبَرَنَا الأُسْتَاذُ أَبُو إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ، أَخْبَرَنَا الإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الإِسْمَاعِيلِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو خَلِيفَةَ الْجُمَحِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو الْحَوْضِيُّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِيَاضٍ الأَشْعَرِيِّ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هُمْ قَوْمُ هَذَا» يَعْنِي: أَبَا مُوسَى الأَشْعَرِيَّ.
رَوَاهُ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ السَّمَّاكِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ شُعْبَةَ
وقوله: {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} [المائدة: 54] قال ابن عباس: تراهم للمؤمنين كالولد لوالده، وكالعبد لسيده، وهم في الغلظة على الكافر كالسبع على فريسته، وهذا كقوله: {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29] .
قال الزجاج في هذه الآية: يقول الله تعالى: إن ارتد أحد عن دينه الذي هو الإيمان فسوف يأتي الله بقوم مؤمنين غير منافقين، {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [المائدة: 54] ، أي: جانبهم لين للمؤمنين ليس أنهم أذلة مهانون، {أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} [المائدة: 54] ، أي: جانبهم غليظ على الكافرين.
قوله: {يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ} [المائدة: 54] لأن المنافقين كانوا يراقبون الكفار ويظاهرونهم، ويخافون لومهم، فأعلم الله أن الصحيح الإيمان لا يخاف في نصرة الدين بيده ولسانه لومة لائم.
(2/200)
1
294 - أَخْبَرَنَا أَبُو مَعْمَرٍ الْمُفَضَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الإِسْمَاعِيلِيُّ، أَخْبَرَنَا الإِمَامُ جَدِّي أَبُو بَكْرٍ الإِسْمَاعِيلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَقْرٍ السُّكَّرِيُّ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ السّخيتِ، حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ بَيَانٍ، عَنِ الْمَسْعُودِيِّ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَرَادَ الْجَنَّةَ لا شَكَّ فَلا يَخَفْ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ»
وقوله: {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ} [المائدة: 54] أي: محبتهم لله ولين جانبهم للمؤمنين، وشدتهم على الكافرين، تفضل من الله عليهم، لا توفيق لهم إلا به.
قوله عز وجل: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} [المائدة: 55] الآية: قال ابن عباس في رواية عطية العوفي: نزلت في قصة عبد الله بن أبي، وعبادة بن الصامت حين تبرأ من اليهود، وقال: أتولى الله ورسوله والذين آمنوا.
وقال جابر بن عبد الله: إن اليهود هجروا من أسلم منهم ولم يجالسوهم، فقال عبد الله بن سلام: يا رسول الله إن قومنا قد هجرونا، وأقسموا أن لا يجالسونا.
فنزلت هذه الآية، فقال: رضينا بالله وبرسوله وبالمؤمنين أولياء.
والآية عامة في جميع المؤمنين، فكل مؤمن ولي لكل مؤمن، لقوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة: 71] ، ونحو هذا روي عن أبي جعفر الباقر، قال: نزلت في الذين آمنوا.
فقيل له: إن ناسا يقولون: إنها نزلت في علي بن أبي طالب.
فقال: عليّ من الذين آمنوا.
(2/201)
1
وقوله: وهم راكعون قال ابن عباس: يعني: صلاة التطوع بالليل والنهار، وإنما أفرد الركوع بالذكر تشريفا له.
قوله جل جلاله: {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا} [المائدة: 56] يعني: يتولى القيام بطاعة الله ونصرة رسوله والمؤمنين، قال ابن عباس: يريد المهاجرين والأنصار، {فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} [المائدة: 56] معنى الحزب في اللغة: الجماعة، وحزب الرجل: أصحابه الذين معه على رأيه، والمؤمنون حزب الله، والكافرون حزب الشيطان.
قال الحسن: حزب الله: جند الله.
وقال أبو روق: أولياء الله.
ومعنى هم الغالبون: أنهم غلبوا اليهود فقتلوا قريظة، وأجلوا بني النضير من ديارهم، وغلبوهم عليها، وبقي عبد الله بن سلام وأصحابه الذين تولوا الله ورسوله والذين آمنوا.
قوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا} [المائدة: 57] قال ابن عباس: كان رجال من اليهود آمنوا ثم نافقوا، وكان ناس من المسلمين يودونهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
ومعنى اتخاذهم الدين هزو ولعبا: تلاعبهم بالدين وإظهارهم ذلك باللسان واستبطانهم الكفر.
وقوله: والكفار يعني: كفار مكة، وهو نسق على قوله: {مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [المائدة: 57] يعني اليهود.
ومن نصب: كان نسقا على قوله: {لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا} [المائدة: 57] كأنه قال: ولا تتخذوا الكفار {أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا
(2/202)
1
اللَّهَ} [المائدة: 57] بطاعته {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة: 57] بوعده ووعيده، أي: فلا توالوهم واتركوا موالاتهم.
قوله عز وجل: {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا} [المائدة: 58] أي: إذا دعوتم الناس إلى الصلاة بالأذان، والنداء: الدعاء بأرفع الصوت.
قال المفسرون: كان المؤذن إذا أذن للصلاة تضاحكت اليهود فيما بينهم، وتغامزوا على طريق السخف والمجون، استهزاء بالصلاة، وتجهيلا لأهلها، وتنفيرا للناس عنها، وعن الداعي إليها.
{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ} [المائدة: 58] ما لهم في إجابتهم لو أجابوا إليها، وما عليهم في استهزائهم بها.
قوله جل جلاله: {قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ} [المائدة: 59] الآية يقال: نقمت على الرجل، أنقم.
إذا أنكرت عليه شيئا وبالغت في كراهته، قال ابن عباس: إن نفرا من اليهود سألوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عمن يؤمن به من الرسل، فقال: أومن {بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ} [البقرة: 136] إلى قوله: {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 136] ، فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته، وقالوا: لا نعلم أهل دين أقل حظا في الدنيا والآخرة منكم، ولا دينا أشر من دينكم، فأنزل الله تعالى هذه الآية والتي بعدها.
ومعنى {هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا} [المائدة: 59] هل تكرهون منا وتنكرون علينا {إِلا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ} [المائدة: 59] وهذا مما ينكر أو يعاب به.
وقوله: {وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ} [المائدة: 59] قال الزجاج: المعنى: هل تكرهون إلا إيماننا وفسقكم.
أي: إنما كرهتم
(2/203)
1
إيماننا وأنتم تعلمون أننا على حق لأنكم فسقتم بأن أقمتم على دينكم لمحبتكم الرياسة وكسبكم الأموال، وهذا معنى قول الحسن: لفسقكم نقمتم علينا.
قوله جل جلاله: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ} [المائدة: 60] يقول الله تعالى لنبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قل لليهود: هل أخبركم بشر مما نقمتم من إيماننا ثوابا وجزاء: {مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ} [المائدة: 60] أي: هو من لعنه الله، وغضب عليه يعني: اليهود {وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ} [المائدة: 60] يعني ب القردة: أصحاب السبت، وبالخنازير: كفار مائدة عيسى.
وقال الوالبي عن ابن عباس: إن المسخين من أصحاب السبت، لأن شبابهم مسخوا قردة، ومشايخهم خنازير.
وقوله: وعبد الطاغوت: قال الزجاج: عبد نسق على لعنه الله لأن المعنى: لعنه الله وعبد الطاغوت، أي: أطاع الشيطان فيما سول له.
وقرأ حمزة وعبُد بضم الباء، الطاغوتِ بالكسر على تأويل: وجعل منهم عبد الطاغوت، وأراد بالعبُد: العبْد، فضمت الباء للمبالغة، قال أوس بن حجر:
أبني لبينى إن أمكمو ... أمة وإن أباكمو عبد
أراد: عبدا، فضم الباء.
(2/204)
1
وليس عبد لفظ جمع، لأنه ليس في أبنية الجموع شيء على هذا البناء، ولكنه واحد يراد به الكثرة، كقوله: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا} [النحل: 18] .
وقوله: أولئك أي: أهل هذه الصفة شر مكانا: من المؤمنين، قال ابن عباس: لأن مكانهم سقر، ولا شر في مكان المؤمنين حتى يقال: اليهود شر مكانا منهم، ولكن هذا مبني على كلام الخصم وكذلك قوله: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ} [المائدة: 60] لأنهم قالوا: لا نعرف أهل دين شرا منكم، فقيل لهم: شر منهم من كان بهذه الصفة.
وقوله: {وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} [المائدة: 60] أي: عن قصد الطريق.
قوله عز وجل: {وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا} [المائدة: 61] الآية: قال الكلبي: إن جماعة من اليهود دخلوا على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقالوا: صدقنا أنك رسول الله وهم يسرون بالكفر، وهو قوله: {وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ} [المائدة: 61] أي: دخلوا وخرجوا كافرين، والكفر معهم في كلتي حالتيهم.
{وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ} [المائدة: 61] أي: من نفاقهم وإبطانهم الكفر.
{وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 62] قال ابن عباس: يجترئون على الخطأ والتعدي على الناس بما لا يحل.
وأكلهم السحت يعني: الرشي في الحكم، {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [المائدة: 62] ذم لفعلهم.
قوله: لولا: هلا ينهاهم: عما يرتكبونه من القبيح الربانيون والأحبار: فقهاء اليهود وعلماؤهم، {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [المائدة: 63] .
قال الضحاك: ما في القرآن آية أخوف عندي من هذه الآية، أساء الله الثناء على الفريقين على اليهود وعلى العلماء بترك النكير عليهم فيما صنعوا.
ودلت الآيتان على أن: تارك النهي عن المنكر بمنزلة مرتكبه.
قوله عز وجل: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} [المائدة: 64] قال المفسرون: إن الله تبارك وتعالى كان قد بسط على
(2/205)
1
اليهود حتى كانوا من أكثر الناس مالا وأخصبهم ناحية، فلم عصوا الله في محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكذبوا به كف الله عنهم ما بسط عليهم من النعمة، فعند ذلك قالت اليهود: يد الله مغلولة.
أي: مقبوضة عن العطاء على جهة الصفة بالبخل، وهذا قول قتادة، والضحاك، وعكرمة، والكلبي.
وقال الزجاج: أخبر الله تعالى بعظيم فريتهم فقال: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} [المائدة: 64] أي: يده ممسكة عن الإسباغ علينا، كما قال عز وجل: {وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ} [الإسراء: 29] أي: لا تمسكها عن الإنفاق.
وقوله: غلت أيديهم أي: جعلوا بخلاء وألزموا البخل، فهم أبخل قوم، ولا يلقى يهودي أبدا غير لئيم بخيل.
وقال الحسن: غلت أيديهم في نار جهنم على الحقيقة، أي: شدت إلى أعناقهم.
وتأويله: أنهم جوزوا على هذا القول بأن غلت أيديهم في نار جهنم، {وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا} [المائدة: 64] أي: عذبوا في الدنيا بالجزية، وفي الآخرة بالنار.
295 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْفَقِيهُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَزْوِينِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ التَّاجِرُّ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا أَبُو عِصْمَةَ نُوحُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، عَنِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ لَعَنَ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ لِلَّعْنَةٍ أَهْلا، رَجَعَتِ اللَّعْنَةُ عَلَى الْيَهُودِ بِلَعْنَةِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ»
(2/206)
1
وقوله: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة: 64] هذا جواب لليهود، ورد لما افتروه، وإبطال لما بهتوا فيه، أُجيبوا على قدر كلامهم لما قالوا: {يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} [المائدة: 64] يريدون به: تبخيل الله، فقيل: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة: 64] أي: هو جواد، {يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} [المائدة: 64] ، ومعنى التثنية في يداه: المبالغة في الجود والإنعام.
ومذهب قوم إلى أن معنى اليد في هذه الآية: النعمة، فقالوا في قوله: {يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} [المائدة: 64] نعمة الله مقبوضة، وفي قوله: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة: 64] نعمتاه.
أي: نعمة الدنيا والآخرة، {يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} [المائدة: 64] يرزق كما يريد، إن شاء قتر وإن شاء وسع.
وقوله: {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا} [المائدة: 64] أي: كلما أنزل عليك شيء من القرآن كفروا به فيزيد كفرهم، {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [المائدة: 64] أي: بين اليهود والنصارى، عن الحسن، ومجاهد، وقيل: أراد: طوائف اليهود، وهو اختيار الزجاج، قال: جعلهم الله مختلفين في دينهم متباغضين، وهو أحد الأسباب التي أذهب الله بها جدهم وشوكتهم.
{كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ} [المائدة: 64] قال ابن عباس: كلما أرادوا محاربتك ردهم الله تعالى، وألزمهم الخوف منك ومن أصحابك.
وهذا قول الحسن.
وقال قتادة: هذا عام في كل حرب طلبتها اليهود، فلا تلقى اليهود ببلدة إلا وجدتهم من أذل الناس.
وقوله: {وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا} [المائدة: 64] قال الزجاج: أي يجتهدون في دفع الإسلام ومحو ذكر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من كتبهم.
(2/207)
1
{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ {65} وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ {66} يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ {67} } [المائدة: 65-67] قوله جل جلاله: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا} [المائدة: 65] صدقوا محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، واتقوا: اليهودية والنصرانية، {لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} [المائدة: 65] التي عملوها قبل أن تأتيهم، والمعنى: محونا ذنوبهم التي سلفت بالإيمان بك.
{وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ} [المائدة: 66] قال ابن عباس: عملوا بما فيها من التصديق بك والوفاء لله، وأظهروا ما فيها {لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} [المائدة: 66] قال ابن عباس: لأنزلت عليهم القطر، وأخرجت لهم من نبات الأرض كلما أرادوا.
قوله: {مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ} [المائدة: 66] أي: مؤمنة، وهم العادلة غير الغالية ولا المقصرة، ومعنى الاقتصاد في اللغة: الاعتدال في العمل من غير غلو ولا تقصير.
{وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ} [المائدة: 66] بئس شيئا عملهم، قال ابن عباس: عملوا القبيح وما لا يرضي الله تعالى مع التكذيب للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قوله عز وجل: {يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} [المائدة: 67] قال الحسن: إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إن الله بعثني بالرسالة فضقت بها ذرعا، وعرفت أن الناس مكذبيّ، فأوعدني فيها: لأبلغها أو ليعذبنني ".
وقال ابن الأنباري: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يجاهر ببعض القرآن أيام كان بمكة ويخفي بعضه، إشفاقا على نفسه من
(2/208)
1
تسرع المشركين إليه وإلى أصحابه، فلما أعزه الله بالمؤمنين قال له: {بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} [المائدة: 67] .
والمعنى: بلغ جميع ما أنزل إليك من ربك مجاهرا به، فإن أخفيت منه شيئا لخوف يلحقك {فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة: 67] قال ابن عباس: يقول: إن كتمت آية مما أنزلت إليك لم تبلغ رسالتي.
يعني: أنه إن ترك إبلاغ البعض كان كمن لم يبلغ، وحاشا لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يكتم شيئا مما أوحي إليه، فقد قالت عائشة رضي الله عنها: من زعم أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كتم شيئا من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية، والله تعالى يقول {بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة: 67] .
وقوله: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67] أي: يمنعك أن ينالوك بسوء من قتل أو أسر.
قالت عائشة رضي الله عنها: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحرس حتى نزلت هذه الآية: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67] فأخرج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رأسه من القبة، فقال: يأيها الناس انصرفوا عني فقد عصمني الله.
296 - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ نُجَيْدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْخَلِيلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ، حَدَّثَنَا الْحِمَّانِيُّ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحْرَسُ وَكَانَ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ يُرْسِلُ كُلَّ يَوْمٍ رِجَالا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ يَحْرُسُونَهُ، حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَأَرَادَ عَمُّهُ أَنْ يُرْسِلَ مَعَهُ مَنْ يَحْرُسُهُ، فَقَالَ: يَا عَمَّاهُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ عَصَمَنِي مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ
(2/209)
1
وقوله: {إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [المائدة: 67] قال ابن عباس: لا يرشد من كذبك وأعرض عن ذكري.
{قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ {68} إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ {69} } [المائدة: 68-69] وقوله جل جلاله: {يَأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ} [المائدة: 68] قال ابن عباس: لستم على شيء من الدين، حتى تُعلموا بما في الكتابين من الإيمان بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبيان صفته ونعته، وهو قوله: {حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ} [المائدة: 68] أي: تقيموا أحكامهما وما يجب عليكم فيها، وقد سبق تفسير هذا إلى قوله: {فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [المائدة: 68] ، وهذا تسلية للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يقول: لا تحزن على أهل الكتاب إن كذبوك.
قوله جل جلاله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا} [المائدة: 69] ، سبق تفسير هذه الآية في { [البقرة، وارتفع: الصابئون في هذه ال: بالابتداء على التقديم في الكلام والتأخير، على تقدير: إن الذين آمنوا والذين هادوا من آمن منهم بالله. . . إلى آخر الآية، والصابئون والنصارى كذلك أيضا كما تقول: إن عبد الله ومحمد قائم.
تريد: إن عبد الله قائم ومحمد كذلك، هذا مذهب الخليل، وسيبويه.
] لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ {70} وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ