عدد الزوار 255 التاريخ 15/08/2020

قال الله تعالى: (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم علىٰ أنفسهم ألست بربكم ۖ قالوا بلىٰ ۛ شهدنا ۛ أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هٰذا غافلين).
وفي الحديث: يقول الله تعالى للرجل من أهل النار: (قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئا، فأبيت إلا أن تشرك). متفق عليه.
لقد جبل الله الخلق على معرفته وتوحيده في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، والإقرار بأنه لا رب سواه، ولا إله غيره.
قال تعالى: (فطرت الله التي فطر الناس عليها)، وعن أبي هريرة مرفوعا: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة). رواه البخاري.
وعن عياض المجاشعي، عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: (إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا). رواه مسلم.
وللفطرة وإرسال الرسل وإنزال الكتب قال تعالى: (قل فلله الحجة البالغة)، ثم قال: (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون). قال قتادة: لا تسأل أحدا من المشركين: من ربك؟، إلا قال: ربي الله! وهو يشرك في ذلك.

قال تعالى: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله).
أي: يطيعون سادتهم وكبراءهم، وهم علماء السوء أصحاب الهوى، وعبادهم المجتهدون في دينهم على جهل وضلالة، فيطيعونهم في الشرك وفي البدعة وفي الباطل، فيحلون ما أحلوه لهم مما قد حرمه الله عليهم، ويحرمون ما يحرمونه عليهم مما قد أحله الله لهم، ويزينون لهم الكفر والفسوق والعصيان بالشبهات والأكاذيب.
وثبت عن عدي بن حاتم قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فسمعته يقرأ في سورة براءة: “اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله”، قال: فقلت: إنهم لم يعبدوهم. فقال: بلى، إنهم حرموا عليهم الحلال، وأحلوا لهم الحرام، فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم». رواه أحمد والترمذي والطبراني والبيهقي وغيرهم.
وعن أبي البختري، قال: قيل لحذيفة: أرأيت قول الله: (اتخذوا أحبارهم)؟ قال: أما إنهم لم يكونوا يصومون لهم ولا يصلون لهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئا أحله الله لهم حرموه، فتلك كانت ربوبيتهم. رواه ابن جرير وغيره.

ثبت عن معقل بن يسار: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر رضي الله عنه: (والذي نفسي بيده، للشرك أخفى من دبيب النمل، ألا أدلك على شيء إذا قلته ذهب عنك قليله وكثيره؟، قال: قل: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم). رواه البخاري في المفرد.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: (فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون). قال: الأنداد هو الشرك، أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن يقول: والله وحياتك يا فلان، وحياتي، ويقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص، وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان. لا تجعل فيها “فلان”. هذا كله به شرك. رواه ابن أبي حاتم وغيره، وقد جود إسناده.
وثبت عنه، قال: قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله وشئت. فقال: «أجعلتني لله ندا؟ قل: ما شاء الله وحده». رواه أحمد، والبخاري في المفرد، والنسائي، وابن ماجه، وصحح إسناده العراقي. وفي هذا حماية لجناب التوحيد، وسد لذرائع الشرك، وقطع لوسائله.

قال الله تعالى: (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم).
الغلو: هو مجاوزة الحد الشرعي في الاعتقادات أو الأقوال أو الأعمال.
وقد غلت اليهود والنصارى في أنبيائهم وصالحيهم، إلى أن صرفوا لهم شيئا من العبادة، وهذا غلو يخرج من الإسلام.
وثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين). رواه أحمد، والنسائي، وابن ماجه، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله). رواه البخاري. وثبت عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يا أيها الناس، قولوا بقولكم، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل”. رواه أحمد، والنسائي في الكبرى.
فالأنبياء والأولياء لا يرضون ما يعتقده ويفعله القبوريون من الاستغاثة بهم، والتقرب إليهم بالقرابين.

عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي لم يقم منه: (لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد). قالت: (يحذر مثل الذي صنعوا)، قالت: فلولا ذاك أبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا. متفق عليه.
وعنها قالت: لما كان مرض النبي صلى الله عليه وسلم، تذاكر بعض نسائه كنيسة بأرض الحبشة. فرفع رأسه فقال: (أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا، ثم صوروا تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة). متفق عليه.
وعن جندب البجلي: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: (ألا وإن من كان قبلكم، كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك). متفق عليه.
فمن البدع والضلالات: بناء المساجد على قبور الصالحين أو دفنهم في المساجد، وإنه لشرك عظيم: دعاؤهم، والاستغاثة بهم، وطلب قضاء الحوائج منهم، وسؤالهم تفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، وكشف الملمات، أو الطواف بقبورهم، والتقرب إليهم بالنذور والذبائح.

بقلم فضيلة الشيخ المحدث: علي بن عبد الله النمي حفظه الله